ابن ميثم البحراني

318

شرح نهج البلاغة

والشيطان وكيفيّة رؤيته لصورته وأنّ ذلك باستعانة من النفس بالقوّة المتخيّلة في اقتناص المعاني المعقولة وحطَّها إلى لوح الخيال مشاهدة للحسّ المشترك مسموعة . وقد استلزمت هذه الإشارة أنّه عليه السّلام استعدّ لسماع صوت الشيطان في حزنه حين أيس من اتّباع الخلق له وانقيادهم لأمره وهو معنى عبادته إذ أصل العبادة الخضوع . وكيفيّة ذلك أنّ نفسه القدسيّة أخذت معنى الشيطان مقرونا بمعنى اليأس والحزن ، وكسته المتخيّلة صورة حزين صارخ ، وحطَّته إلى لوح الخيال فصار مسموع الرنّة له . ويؤيّد ذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حين سأله عن ذلك : إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلَّا أنّك لست بنبيّ . فإنّه شهد له في ذلك بالوصول إلى مقام سماع الوحي وكلام الملك وصوت الشيطان وسائر ما يراه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويسمعه ممّا قويت عليه نفسه القدسيّة إلَّا كونه نبيّا فإنّ مقام النبوّة لا يتحقّق للإنسان إلَّا بالشرط الَّذي أشرنا إليه في المقدّمات وفرّقنا بين النبيّ وغيره من سائر النفوس الكاملة ، وهو كون الإنسان مخاطبا من السماء بإصلاح أمر أبناء نوعه في معاشهم ومعادهم وذلك مقام أعلى وأكمل من كلّ مقام يبلغه إنسان بقوّته ، وروى عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : كان عليّ عليه السّلام يرى مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت ، وقال له الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لولا أنّى خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوّة فإن لا تكن نبيّا فأنت وصيّ نبيّ ووارثه بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء . ثمّ لمّا نفى عنه مقام النبوّة جبره [ أخبره ح ] به مقام الوزارة إشارة إلى أنّه الصالح لتدبير أحوال الخلق في معاشهم ومعادهم من ورائه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وبعده المعين له على ذلك . ثمّ شهد له بأنّه على خير . وأشار به إلى ما هو عليه من الطريقة المحمودة واستقامة السيرة في خدمته وتربيته . وذلك خير كثير . وفي مسند أحمد بن حنبل عن عليّ قال : كنت مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الليلة الَّتي أسري به فيها وهو بالحجر يصلَّى فلمّا قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنّة شديدة فقلت : يا رسول اللَّه ما هذه الرنّة وقال ألا تعلم هذه رنّة الشيطان علم أنّى أسرى الليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض . وأمّا حديث الوزارة فروى أنّه لمّا نزل قوله « وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ