ابن ميثم البحراني
29
شرح نهج البلاغة
الرابع : الباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهّمين . وقد مرّ بيان هذين الوصفين وفايدة قوله : بجلال عزّته تنزيه بطونه عن الفكر باعتبار جلالته وعزّته عن أن تناله لا باعتبار حقارة وصغر ، وإنّما قال : فكر المتوهّمين لأنّ النفس الإنسانيّة حال التفاتها إلى استلاحة الأمور العلويّة المجردّة لا بدّ أنّ يستعين بالقوّة المتخيّلة يباعث الوهم في أن تصوّر تلك الأمور بصور خياليّة مناسبة لتشبيهها بها وتحطَّها إلى الخيال ، وقد علمت أنّ الوهم إنّما يدرك ما كان متعلَّقا بمحسوس أو متخيّل من المحسوسات فكلّ أمر يتصوّره الإنسان وهو في هذا العالم سواء كان ذات اللَّه سبحانه أو صفاته أو غير ذلك فلا بدّ أن يكون مشوبا بصورة خياليّة أو معلَّقا بها وهو تعالى منزّه بجلال عزّته عن تكيّف تلك الفكر له وباطن عنها . الخامس : العالم المنزّه في كيفيّة علمه عن اكتساب له بعد جهل أو ازدياد منه بعد نقصان أو استفادة له عن غير كما عليه علم المخلوقين . السادس : المقدّر لجميع الأمور : أي الموجد لجميع الأمور على وفق قضائه كلَّا بمقدار معلوم تنزّه فيه عن التفكَّر والضمير ، وأراد بالضمير ما اضمر من الرويّة . السابع : الَّذي لا تغشاه الظلم ، ولا يستضيء بالأنوار لتنزّهه عن الجسميّة ولواحقها . الثامن : ولا يرهقه : أي لا يدركه ليل . ولا يجرى عليه نهار ، وذلك لتنزّهه عن إحاطة الزمان . التاسع : ليس إدراكه بالأبصار لتقدّس ذاته عن الحاجة إلى الآلة في الإدراك وغيره . العاشر : ولا علمه بالأخبار : أي كما عليه كثير من علومنا لتقدّسه عن حاسّة السمع . وباللَّه التوفيق .