ابن ميثم البحراني

277

شرح نهج البلاغة

على تاليها بمقدّم هذه الكبرى ، وتقدير الكلام : ولأنّه تعالى لو فعل بأنبيائه ما ذكرناه لكانوا أهل قوّة لا ترام وعزّة لا تضام وملك تمتدّ نحوه الأعناق ، ولو كانوا كذلك لكان في كونهم كذلك مفاسد أخرى فينتج أنّه لو فعل بأنبيائه ما ذكرناه للزمت مفاسد أخرى : أحدها : أنّه لكان ذلك أي ما حصلوا عليه من العزّ والملك أهون على الخلق وأسهل من حيث إنّ اعتبارهم لما يدعوهم إليه أسهل وإجابتهم إلى دعوتهم أسرع . إذ كانت الملوك في اعتبار الخلق أهلا لأن يطاعوا فلا تصعب عليهم إجابتهم كما تصعب إجابة الفقراء على من يدعونه من المتكبّرين . الثاني : وأبعد لهم عن الاستكبار ، وهو ظاهر لأنّ الملوك أبعد من أن يتكبّر عليهم الناس ويأنفوا من طاعتهم وحينئذ لم يكن للخلق ثواب من ترك رذيلة الكبر عن مجاهدة نفسه في ترك الرذيلة . الثالث : ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم . أي على الايمان أو رغبة مايلة بهم إليه فلم يكن نيّاتهم ولا حسناتهم خالصة للَّه بل هي مشتركة ومقتسمة بعضها له وبعضها للرغبة وبعضها للرهبة ، وحينئذ لا يكون لهم ثواب من جاهد إبليس فقهره وقمع نواجم وسوسته الجاذبة عن سبيل اللَّه ، واستعدّ بذلك للخيرات الباقية . وقوله : وملك تمتدّ نحوه أعناق الرجال ، وتشدّ إليه عقد الرحال . كنايتان عن قوّته وعظمته لأنّ الملك إذا كان عظيما قويت الآمال فيه وتوجّهت نحوه وامتدّت أعناق الرجال إليه بالرجاء وشدّت عقد الرحال إليه . وقوله : ولكنّ اللَّه سبحانه . إلى قوله : شائبة . كالمقدّمة لصغرى في بيان أنّ القسم الأخير من التالي ليس ممّا ينبغي أن يكون ويراد للَّه تعالى . كأنّه قال لو جعل اللَّه تعالى الأنبياء أهل الملك والعزّ لكان ايمان الخلق بهم إمّا لرغبة أو رهبة فكانت النيّات والايمان والعبادة منهم مشتركة غير خالصة للَّه وذلك مفسدة ليس ممّا ينبغي أن تكون ولا أن تراد للَّه تعالى لأنّه تعالى إنّما أراد أن يكون ايمانهم بالرسل واتّباعهم وتصديقهم لما جاؤوا به من كتبه وأمروا به من الخشوع