ابن ميثم البحراني

272

شرح نهج البلاغة

تأكل منها فأجاب عليه السّلام بأنّ ذلك الوهم للجهل بمواقع الفتنة والاختبار في مواضع الغنى والإقتار : أي أنّ الاختبار كما يكون بالفقر والمشاقّ والمكاره كذلك يكون بالمال والولد ، وليس المال والولد من الخيرات الَّتي تعجّل في الدنيا لمن يعطى إيّاهما كما يزعمون ، واستشهد على ذلك بقوله تعالى « أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ » ( 1 ) أي يحسبون أنّا نعجّل في تقديم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم حتّى بسطناهم الرزق وأكثرنا لهم أولادهم بل لا يعلمون أنّ ذلك استدراج لهم من اللَّه ومحنة وبلاء . وجهلا نصب على المفعول له . وقوله : فإنّ اللَّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين . إلى قوله : في أعينهم . كلام منقطع يستدعى ابتداء يكون معلَّلا به . وقد فصّل الرضيّ - رحمه اللَّه - بينه وبين ما قبله بصفر لكنّه بيان لنوع آخر من ابتلاء اللَّه تعالى عباده المستكبرين في أنفسهم واختبارهم بأوليائه المستضعفين وهم الأنبياء في أعينهم : أي في أعين المتكبّرين وهو في معنى ما قبله ، وفيه تنبيه على بعض أسراره تعالى في خلقه لسائر أنبيائه وأوليائه المستضعفين ، وهو أن يبتلى بهم المستكبرين عن عبادته في أرضه كما سيشير إليه عليه السّلام في الحكمة في خلقهم كذلك . ثمّ ضرب مثل ذلك الابتلاء في موسى وهارون عليهما السّلام حين دخلا على فرعون يدعوانه إلى اللَّه تعالى ، وذلك قوله : ولقد دخل . إلى قوله : ولبسه روى الطبريّ في تاريخه : أنّ موسى وهارون قدما مصر حين بعثهما اللَّه إلى فرعون فمكثا سنتين يغدوان على بابه ويروحان يلتمسان الإذن عليه فلا يعلم بهما ولا يجتري أحد أن يخبره بشأنهما وكانا يقولان في الباب : إنّا رسولا ربّ العالمين إلى فرعون حتّى دخل عليه بطَّال له يلاعبه ويضحكه فقال : أيّها الملك إنّ ببابك رجلا يقول قولا عجيبا ، ويزعم أنّ له إلها غيرك . فقال : أدخلوه . فدخل وبيده عصاه ومعه أخوه هارون فقال : أنا رسول ربّ العالمين . وذكر تمام الخبر وصريح قصّتهما ومحاورتهما مستوفى في القرآن الكريم كسورة

--> ( 1 ) 23 - 57 .