ابن ميثم البحراني
259
شرح نهج البلاغة
إشارة إلى مقتضى قوله تعالى « مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً » ( 1 ) أي يكون عقابه في الغلظ والشدّة والتأبيد كعقاب قاتل الناس جميعا كما قال تعالى « ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً » ( 2 ) الآية ، وكذلك مقتضى قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة . وقابيل هو من أوّل من سنّ القتل فلا جرم لزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة ، وكذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ما من نفس فقتل ظلما إلَّا كان على ابن آدم الأوّل كفل منها . ذلك بأنّه أوّل من سنّ القتل . ثمّ شرع في تنبيههم على إمعانهم وتشمّرهم في البغي والإفساد في الأرض وإعلامهم بذلك من أنفسهم . والخطاب أشبه أن يكون للبغاة من أصحاب معاوية وهم الَّذين كاشفوا اللَّه بمحادّة أوليائه ومعاداة دينه وبارزوا المؤمنين بالمحاربة . ومصارحة ومبارزة مصدران سدّا مسدّ الحال . ثمّ كرّر التحذير من اللَّه تعالى في الكبر وأضافه إلى الحميّة ليتميّز الكبر المحمود ، وكذلك إضافة الفخر إلى الجاهليّة فإنّ من التكبّر والفخر ما هو محمود كتكبّر الفقراء على الأغنياء . ثمّ ذكر في ذكر ما نفرّ عنه من الأوصاف كونه ملاقح الشنئان وهو البغض والعداوة . ولفظ الملاقح مستعار من الفحول للكبر والفخر ، ووجه المشابهة كونهما مظنّة وجود البغضاء بين الناس وسبب له كما أنّ الفحول سبب الإلقاح ، وأمّا على تقدير كونه مصدرا فاستعارة لإثمار الفخر للبغضاء للمشابهة المذكورة . ثمّ إنّه أخبر بذلك المصدر نفسه عن الفخر حيث جعله خبر إنّ فكأنّه قال : فإنّ الفخر لقح الشنئان ، ولقح الشنئان نفسه ليس عين الفخر بل من ثماره ولوازمه فكان إطلاقا لاسم السبب على المسبّب وهو في الدرجة الثانية ، وإنّما ذكره بلفظ الجمع نظرا إلى تكثّر معنى الفخر في موارده وهى أذهان المتكبّرين . ومنافخ الشيطان . جمع منفخ مصدر نفخ ، وظاهر أنّ أفراد مهيّة الفخر المنتشرة في الأدمغة نفخات ونفثات من إبليس . ويقال في العرف للمتكبّر والمترّفع قدره : قد نفخ
--> ( 1 ) 5 - 35 . ( 2 ) 4 - 95 .