ابن ميثم البحراني
250
شرح نهج البلاغة
« لأزيّنن لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين » ( 1 ) ووجه الاستعارة كونه يرمى بتلك الوساوس وجوه نفوسهم فيكون سببا لهلاكها في الآخرة كما يكون السهم سببا للقتل . ورشّح بذكر التفويق والإغراق والنزع والرمي . وأمّا مكانه القريب فكما نطق به الخبر النبويّ في قوله : إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم . وقوله : لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات . وقرب من كان كذلك ظاهر . والكلام في قوله : فلعمري . في معرض الإغراء به . وفي الباء وما يتعلَّق به وجوه : أحدها : قال أبو عبيد : معناها القسم . فإن قلت : كيف نسب الإغواء إليه تعالى وكيف يصلح الإغواء مقسما به . قلت : على الأوّل لمّا كان تعالى خالق أسباب الغواية فيه كالقدرة والعلم وغيرهما كانت له تعالى سببيّة في إيجاد الغواية وإن كانت بعيدة فلذلك صحّ إسناد فعلها إليه تعالى ، وعلى الثاني أنّه يجوز أن يكون ما بمعنى الَّذي والعائد من الصلة محذوف وتقديره بالَّذي أغويتني به لأُزيّننّ لهم وذلك هو الأمر بالسجود لآدم إذ كان بسببه استكبر وعصى فغوى ، والقسم جايز بأمره تعالى وتكليفه . ومن جعل ما مصدريّة فله أن يقول : إنّ إبليس أطلق على الأمر والتكليف الَّذي حصل له بسببهما الغواية لفظ الإغواء مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب . ثمّ أقسم به باعتبار ما هو أمر وتكليف لا باعتبار ما هو غواية . الثاني : قال غيره : هي للسببيّة : أي بكوني غاويا لأُزيّننّ كما يقول : بطاعته ليدخلنّ الجنّة وبمعصيته ليدخلنّ النار . ومفعول التزيين محذوف : أي لأُزيّننّ لهم الباطل حتّى يقعوا فيه . الثالث : قال بعضهم : يجوز أن يكون الباء للسببيّة ويقدّر قسم محذوف . والمعنى بسبب ما كلَّفتني فاستلزم غوايتي اقسم لأُزيّننّ لهم . وقوله : قذفا بغيب بعيد .
--> ( 1 ) 15 - 39 .