ابن ميثم البحراني
25
شرح نهج البلاغة
أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ - والْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ - قَدْ ذَلَّ لأَمْرِهِ وأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ - ووَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ - وجَبَلَ جَلَامِيدَهَا ونُشُوزَ مُتُونِهَا وأَطْوَادِهَا - فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا - وأَلْزَمَهَا قَرَارَتَهَا - فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ - ورَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ - فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا - وأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا ومَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا - فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا وأَطَالَ أَنْشَازَهَا - وجَعَلَهَا لِلأَرْضِ عِمَاداً وأَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً - فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا - فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا - وأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا - فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً - وبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً - فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي وقَائِمٍ لَا يَسْرِي - تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ - وتَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) أقول : تعاصفه : تراد أمواجه وتلاطمها وكسر بعضها بعضا . والمثعنجر : السيال الكثير الماء . والقمقام : البحر . قيل : سمّى بذلك لاجتماعه . وجبل : خلق . وجلاميدها : صخورها . وأنهد : رفع . وأساخ : أدخل . وأنصابها : جمع نصب وهو ما انتصب فيها . والأنشاز : جمع نشز وهو العوالي منها . وأرّزها فيها : أي وكَّرها وغرزها ، وروى أرزها مخفّفة : أي أثبتها ، وعليه نسخة الرضيّ والأولى أصحّ وأظهر . وأكنافها : أقطارها . وتكر كره : تردّده وتصرّفه . وقد أشار في هذا الفصل إلى أنّ أصل الأجرام الأرضيّة والسماويّة ومادّتها هو الماء ، ووصف كيفيّة خلقتها عنه وكيفيّة خلقة الأرض والسماوات و