ابن ميثم البحراني

239

شرح نهج البلاغة

وآدم في الخطبة الأولى بقدر الوسع فلا حاجة إلى التطويل بالإعادة غير أنّ هاهنا ألفاظا يحتاج إلى الإيضاح . وافتخار إبليس وتعصّبه وتكبّره على آدم في قوله « قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » وقوله : أأسجد لمن خلقت طينا أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون . فكان تعصّبه عليه واستكباره نظرا إلى أصلهما ، وكونه إمام المتعصّبين باعتبار كونه المنشأ لرذيلة العصبيّة في غير الحقّ والمعتدى به فيها . وأمّا العصبيّة في الحقّ فهي محمودة كما جاء في الخبر : العصبيّة في اللَّه تورث الجنّة ، والعصبيّة في الشيطان تورث النار . وكذلك كونه سلفا للمتكبّرين باعتبار تقدّمه للمتكبّرين بالاستكبار على آدم . والسلف هو التقدّم . وقوله : الَّذي وضع أساس العصبيّة . إذ كانت عصبيّته لأصله كالأساس للخلق يبنى عليه الخلق سائر العصبيّات ويقتدى به فيها . وقوله : ونازع اللَّه رداء الجبريّة . أي بتجبّره وتكبّره . وقد عرفت وجه الاستعارة في المنازعة في الرداء ، وكذلك قوله : وادّرع لباس التعزّز . لمّا استعار لفظ الأدّراع لإبليس من جهة اشتماله وتلبّسه بالتعزّز رشّح بذكر اللباس ، وكذلك قوله : وخلع قناع التذلَّل . استعارة للفظ الخلع ، وترشيح بلفظ القناع . وقوله : ألا ترون . إلى قوله : بترفّعه . تنبيه على كيفيّة تصغير اللَّه إيّاه ووضعه له بسبب تكبّره وتعظَّمه ، وذلك التصغير والوضع هو جعله في الدنيا مدحورا بعد إخراجه من الجنّة بقوله تعالى « اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً » ( 1 ) وإعداده له في الآخرة سعيرا بقوله تعالى « لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ » ( 2 ) ونحوه . وقوله : ولو أراد اللَّه . إلى قوله : على الملائكة . في صورة قياس اقترانيّ مركَّب من متّصلين صغراهما قوله : ولو أراد اللَّه . إلى قوله : لفعل . وكبراهما :

--> ( 1 ) 7 - 17 . ( 2 ) 38 - 85 .