ابن ميثم البحراني
235
شرح نهج البلاغة
من الحميّة والعصبيّة لغير اللَّه تعالى ليكون الناس على ضدّ ذلك من التواضع والرفق ، وقد علمت في المقدّمات أنّ من شأن الخطيب أن يورد في صدر الخطبة ما ينبّه على المطلوب الَّذي يورده بقول كلَّيّ ليتنبّه السامعون لما يريده إجمالا فلذلك صدّر عليه السّلام الخطبة بنسبة العزّ والكبرياء والعظمة إلى من هو أولى به وهو اللَّه تعالى ، وأشار إلى أنّ ذلك خاصّة له وحرام على غيره ، وذكر إبليس وقصّته مع آدم عليه السّلام في معرض الذمّ بتكبّره عليه ليترتّب على ذكره وذمّه بتلك الرذيلة النهى والتحذير عن ارتكابها وليحصل التنفير بحاله إذ كان بذلك ملعونا مطرودا على ألسنة الأنبياء بأسرهم . وإذ كان مدار الخطبة ذمّ الكبر والنهى عنه فلنشر إلى حقيقته في الإنسان أوّلا ثمّ إلى ما يلزمه من الآفات وإلى المذامّ الواردة فيه . فنقول : أمّا حقيقته فهي هيئة نفسانيّة تنشأ عن تصوّر الإنسان نفسه أكمل من غيره وأعلى رتبة وتلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس عن ذلك التصوّر من النفخ والهزّة والتعزّز والتعظَّم والركون إلى ما تصوّرته من كمالاتها وشرفها على الغير ، ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أعوذ بك من نفخة الكبر . وهى رذيلة تحت الفجور تقابل فضيلة التواضع . وما يلزم عن ذلك التصوّر أعني تصوّر الإنسان فضيلته على الغير إن قطع النظر فيه عن قياسه على متكبّر عليه وعن إضافته إلى اللَّه تعالى باعتبار أنّه منه ولم يكن خائفا من فوت تلك الفضيلة بل كان ساكنا إليها مطمئنّا فذلك هو العجب فإذن العجب هيئة تلزم عن تصوّر الكمال في النفس واستقطاعه عن المنعم به والركون إليه والفرح به مع الغفلة عن قياس النفس إلى الغير بكونها أفضل منه . وبهذا الفصل الأخير ينفصل عن الكبر . إذ كان لا بدّ في الكبر من أن يرى الإنسان لنفسه مرتبة وللغير مرتبة ثمّ يرى مرتبته فوق مرتبة غيره . وأمّا آفاته وهى ثمراته وما يلزم عنه من الأعمال والتروك فإنّ هذا الخلق يوجب أعمالا إذا ظهرت على الجوارح قد تسمّى كبرا : فمنها باطنة كتحقير الغير وازدرائه ، واعتقاد أنّه ليس أهلا للمجالسة والمواكلة والأنفة عن ذلك . واعتقاد