ابن ميثم البحراني
23
شرح نهج البلاغة
كقوله « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » ( 1 ) وما وصفهم به كقوله تعالى « إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله » ( 2 ) الآية دلَّت على وصفهم بالكذب في مطابقة عقايدهم لألسنتهم في الشهادة بأنّه رسول حقّ ومن كان يعتقد أنّه غير رسول فإنّه مظنّة الكذب عليه ، وأئمّة الضلالة بنو أميّة ، ودعاتهم إلى النار دعاتهم إلى اتّباعهم فيما يخالف الدين ، وذلك الاتّباع مستلزم لدخول النار ، والزور والبهتان إشارة إلى ما كانوا يتقرّبون به إلى بنى أُميّة من وضع الأخبار عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في فضلهم وأخذهم على ذلك الأجر من أولئك الأئمّة وتوليتهم الأعمال والإمرة على الناس . وقوله : وإنّما الناس . إلى قوله : إلَّا من عصم . إشارة إلى علَّة فعل المنافق لما يفعل فظاهر أنّ حبّ الدنيا هو الغالب على الناس من المنافقين وغيرهم لقربهم من المحسوس وجهلهم بأحوال الآخرة وما يراد بهم من هذه الحياة إلَّا من هدى اللَّه فعصمه بالجذب في طريق هدايته إليه عن محبّة الأمور الباطلة ، وفيه إيماء إلى قلَّة الصالحين كما قال تعالى « إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ » وقوله « يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ » وإنّما قال : ثمّ بقوا بعده عليه السّلام . ثمّ حكى حالهم مع أئمّة الضلال وإن كانت الأئمّة المشار إليهم لم يوجدوا بعد إمّا تنزيلا لما لا بدّ منه من ذلك المعلوم له منزلة الواقع أو إشارة إلى من بقي منهم بعد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتقرّب إلى معاوية لأنّه إذن ذاك إمام ضلالة ، وأشار إلى القسم الثاني بقوله : ورجل سمع من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شيئا لم يحفظه . إلى قوله : لرفضه ، وذلك أن يسمع من الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كلاما فيتصوّر منه معنى غير ما يريده الرسول . ثمّ لا يحفظ اللفظ بعينه فيورده بعبارته الدالَّة على ما تصوّره من المعنى فلا يكون قد حفظه وتصوّره على وجهه المقصود للرسول فوهم فيه ولم يتعمّد كذبا لوهمه فهو في يديه يرويه ويعمل به على وفق ما تصوّر منه ويسنده إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وعلَّة دخول الشبهة على المسلمين فيه هي عدم علمهم بوهمه ، وعلَّة
--> ( 1 ) 4 - 144 . ( 2 ) 63 - 1 .