ابن ميثم البحراني

226

شرح نهج البلاغة

تعليل لنهيه عن الافتنان بأعلاقها ، ويحتمل أن تكون هذه القرينة مع الَّتي قبلها تعليل للنهي عن الفتنة بأعلاقها . ثمّ أردف تلك الأوصاف بالتنبيه على أوصاف أخرى ونقايض لها مستعارة نفّر بها عنها : أحدها : أنّها المتصدّية العنون قال بعض الشارحين : هو استعارة وصف المرأة الفاجرة الَّتي من شأنها التعرّض للرجال لتخدعهم عن أنفسهم ، ويحتمل أن يكون استعارة لوصف الفرس أو الناقة الَّتي تمشي في الطريق معترضة خابطا . وقوله : العنون . استعارة بوصف الدابّة المتقدّمة في السير . كنّى بهما عن لحوق الدنيا بالدابّة تكون كذلك . ووجه المشابهة في الوصف الأوّل أنّ الدنيا في تغيّراتها وأحوالها وحركاتها غير مضبوطة ولا جارية مع الإنسان على حال واحد فأشبهت الناقة الَّتي تعترض في طريقها وتمشى على غير استقامة ، ووجهها في الثاني أنّ مدّة الحياة الدنيا في غاية الإسراع وشدّة السير بأهلها إلى الآخرة فأشبهت السريعة من الدوابّ المتقدّمة في سيرها . الثاني : الجامحة الحرون . استعار وصف الجماح لها باعتبار كونها لا تملك لأهلها ولا ينقاد لهم كما لا ينقاد الحرون لراكبها ، وكذلك وصف الحرون باعتبار عدم انقياده لأهلها وعدم قدرتهم على تصريفها وهم أحوج ما يكونون إليها . الثالث : المائنة الخؤون فاستعار وصف الكاذبة لها باعتبار عدم مطابقة اغترارها للناس بزينتها ومتاعها وتوهّمهم عن ذلك بقاؤها ونفعها لما عليه الأمر في نفسه . إذ كان عن قليل ينكشف كذبها فيما غرّتهم به وكذب أوهامهم فيها ، وكذلك وصف الخؤون باعتبار عدم وفائها لمن غرّته وخدعته عن نفسه بزينتها فكأنّها لذلك أعطته عهدا بدوامها له فخانته بزوالها عنه ولم تف بعهده . الرابع : الجحود الكنود ، واستعار لها هذين الوصفين ملاحظة لشبهها بالمرأة الَّتي تكفر نعمة زوجها وتنكر صنيعه ، ويكون من شأنها الغدر . وذلك أنّ الدنيا من شأنها أن تنفر عمّن رغب فيها وسعى لها واجتهد في عمارتها وإظهار