ابن ميثم البحراني

194

شرح نهج البلاغة

ترشيح لاستعارة العواريّ . إذ كانت من شأنها أن تستعار إلى وقت معلوم ثمّ ترد فكذلك ما كان بمعرض الزوال والتغيّر من الإيمان . وهذه القسمة إلى هذين القسمين هي الموجودة في نسخة الرضى بخطَّه وفي نسخ كثير من الشارحين ونسخ كثيرة معتبرة ، ونقل الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد - رحمه اللَّه - في النسخة الَّتي شرح الكتاب عليها ثلاثة أقسام هكذا : فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرّا في القلوب ، ومنه ما يكون عواريّ في القلوب ، ومنه ما يكون عواريّ بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم . ثمّ قال في بيانها ما هذه خلاصته : إنّ الإيمان إمّا أن يكون ثابتا مستقرّا في القلوب بالبرهان وهو الإيمان الحقيقيّ ، أوليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدليّ كإيمان كثير ممّن لم تحقّق العلوم العقليّة ويعتقد ما يعتقده من أقيسة جدليّة لا تبلغ درجة البرهان وقد سمّاه عليه السّلام عواريّ في القلوب : أي أنّه وإن كان في القلب الَّذي هو محلّ الإيمان الحقيقيّ إلَّا أنّ حكمه حكم العارية في البيب فإنّها بعرضة الخروج منه ، وإمّا أن لا يكون مستندا إلى برهان ولا إلى قياس جدليّ بل على سبيل التقليد وحسن الظنّ بالأسلاف أو بإمام يحسن الظنّ به وقد جعله عليه السّلام عواريّ بين القلوب والصدور لأنّه دون الثاني فلم يجعله حالَّا في القلب لكونه أضعف ممّا قبله وأقرب إلى الزوال . ثمّ ردّ قوله : إلى أجل معلوم . إلى القسمين الأخيرين لأنّ من ثبت إيمانه بالقياس الجدليّ قد يبلغ إلى درجة البرهان إذا أنعم النظر ورتّب المقدّمات اليقينيّة ترتيبا منتجا ، وقد يضعف مقدّماته في نظره فينحطَّ إلى درجة المقلَّد فيكون إيمان كلّ منهما إلى أجل معلوم لكونه في معرض الزوال . وأقول : إن صحّت هذه الرواية فالمعنى يعود إلى ما قلناه من القسمة فإنّ العلم بما يستلزمه البرهان أو غيره من الإيمان إن بلغ إلى حدّ الملكة فهو الثابت المستقرّ ، وإلَّا فهو العارية والَّذي أراه أنّ القسم الثاني تكرار وقع من قلم الناسخ سهوا . واللَّه أعلم . الثانية : قوله : فإذا كانت لكم براءة . إلى قوله : حدّ البراءة . معناه