ابن ميثم البحراني
190
شرح نهج البلاغة
ضرورة وقوعه مع مساعدته على ما فيه من المشقّة الشاقّة . ثمّ استفهمهم عن غفلتهم عنه وطمعهم فيه مع كونه لا يغفلهم ولا يمهلهم استفهام توبيخ على ذلك . ولأجل ما فيه من شدّة الاعتبار قال : فكفى واعظا بموتى عاينتموهم . إلى قوله : فصرعتهم . وفي هذا القول زيادة موعظة على ذكر الموت وهى شرح أحوال من عاينوه من الموتى . وذكر منها أحوالا : أحدها : كيفيّة حملهم إلى قبورهم غير راكبين مع كونهم في صورة ركوب منفور عنه . الثانية : إنزالهم إلى القبور على غير عادة النزول المتعارف المقصود فكأنّهم في تلك الحال مع طول مددهم في الدنيا وعمارتهم لها وركونهم إليها لم يكونوا لها عمّارا وكان الآخرة لم تزل دارا . ووجه التشبيه الأوّل انقطاعهم عنها بالكلَّيّة وعدم خيرهم فيها فأشبهوا لذلك من لم يكن فيها . ووجه الثاني كون الآخرة هي مستقرّهم الدائم الثابت الَّذي لا معدل عنه فأشبهت في ذلك المنزل الَّذي لم يزل له دارا . الثالثة : ايحاشهم ما كانوا يوطنون من منازل الدنيا ومسالكها . الرابعة : ايطانهم ما كانوا يوحشون من القبور الَّتي هي أوّل منازل الآخرة . الخامسة : اشتغالهم بما فارقوا . وذلك أنّ النفوس الراكنة إلى الدنيا العاشقة لها المقبلة على الاشتغال بلذّاتها يتمكَّن في جواهرها ذلك العشق لها وتصير محبّتها ملكة وخلقا فيحصل لها بعد المفارقة لما أحبّته من العذاب به والشقا الأشقى بالنزوع إليه وعدم التمكَّن من الحصول عليه أعظم شغل وأقوى شاغل وأصعب بلاء هايل بل تذهل فيه كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع فيه كلّ ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللَّه شديد . السادسة : إضاعتهم ما إليه انتقلوا وهي دار الآخرة . ومعنى إضاعتهم لها تركهم الأسباب الموصلة إلى ثوابها والمبعّدة من عقابها . السابعة : كونهم لا يستطيعون الانتقال عمّا حصلوا عليه من الأفعال القبيحة