ابن ميثم البحراني

18

شرح نهج البلاغة

فقوله : أترى اللَّه . إلى قوله : ذلك . في مقام التوبيخ له على ذلك الترك وهو كقوله تعالى « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » ( 1 ) الآية ، والحاصل أنّ ترك الدنيا بالكلَّيّة ليس هو مطلوب الشارع من الزهد فيها والتخلَّي عنها لأنّ الشارع يراعى نظام العالم باشتراك الخلق في عمارة الدنيا وتعاونهم على المصالح بقاء النوع الإنسانيّ وترك الدنيا وإهمالها بالكلَّيّة يعدم ذلك النظام وينافيه بل الَّذي يأمر به الشارع القصد في الدنيا واستعمال متاعها على القوانين الَّتي وردت بها الرسل والوقوف فيها عند الحدود المضروبة في شرايعهم دون تعدّيها كما أشار إليه عليه السّلام من منع هذا الرجل ، وأمّا السالكون من الصوفيّة بعد عصر الصحابة فهم على الطريقين : فمنهم من يختار القشف وترك الطيّبات وهجر اللذّات رأسا ، ومنهم من يؤثر الترف ، والَّذي يفعله المحقّقون من السالكين من التقشّف فلا ينافي الشريعة لعلمهم بأسرارها وطريقتهم تلك أقرب إلى السلامة من طريق المترفين لكون الترف مجال الشيطان ، وقد كان سلوك الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعليّ عليه السّلام وجماعة من أكابر الصحابة أميل إلى طريق التقشّف لكن مع مشاركتهم لأهل الدنيا في تدبير أحوال المدن وصلاح العالم غير منقطعين عن أهلها ولا منعزلين فأمّا اعتراض عاصم على عليّ عليه السّلام في نهيه له فحاصله أنّه قاس نفسه في ترك الدنيا عليه ، وتقديره إنّك إذا نهيتني عن ذلك فكيف بك : أي فكيف بما أرى من هذه الحال وأنت المقتدى به ، أو فكيف أصنع بك مع الحال الَّتي أنت عليها ، وإنّما ينبغي لي أن أقتدي بك فأجابه عليه السّلام بجواب إقناعيّ بيّن فيه الفرق بينه وبينه ، وهو إنّي إنّما فعلت ذلك لكوني إماما وكلّ إمام فرض اللَّه عليه أن يقدّر نفسه بضعفة الناس : أي ليسويّها بهم في حالهم كيلا يهيّج بالفقير فقره فيضعف عن حلمه فيكفر أو يفسق وقد كان عليه السّلام قبل الخلافة كذلك ، والجواب المحقّق هو ما قلناه من كون هذه الطريق أسلم ، وأمّا الفرق بينهما فيرجع إلى أنّ عاصما

--> ( 1 ) 7 - 30 .