ابن ميثم البحراني

171

شرح نهج البلاغة

إرادة هي مبدء فعل ما فمحبّته للعبد إرادته لثوابه وتكميله وما هو خير له ، وأمّا من العبد فهي إرادة تقوى وتضعف بحسب تصوّر المنفعة واللذّة واعتقاد كمالها ونقصانها ، ومحبّته للَّه هي إرادة طاعته ، وأمّا الرضا فقريب من المحبّة ويشبه أن يكون أعمّ منها لأنّ كلّ محبّ راض عمّا أحبّه ولا ينعكس . فرضاه تعالى عن العبد يعود إلى علمه تعالى بموافقته لأمره وطاعته له ، والمفهوم منه في حقّ العبد هو سكون نفسه بالنسبة إلى موافقة وملايمة عند تصوّر كونه موافقا وملايما ، ولمّا كان الرضا والمحبّة من الإنسان لغيره يستلزم الرقّة القلبيّة له والانفعال النفسانيّ عن تصوّر المعنى الَّذي لأجله حصلت المحبّة والميل إليه والداعي إلى الرضا عنه وكان الباري سبحانه منزّها عن الرقّة والانفعال لتنزّهه عن قوابلها لا جرم احترز بقوله : من غير رقّة . الرابع والخمسون : ويبغض ويغضب من غير مشقّة . فالبغض منه تعالى للعبد يضادّ محبّته له ويعود إلى كراهته لثوابه ، وكراهته يعود إلى علمه بعدم استحقاقه للثواب وأنّه لا مصلحة في ثوابه ويلزمها إرادة إهانته وتعذيبه ، والبغض من العبد هو كراهته للغير وميل نفسه عنه لتصوّر كونه مضرّا ومولما ويلزم ذلك النفرة الطبعيّة منه وثوران القوّة الغضبيّة عليه وإرادة إهانته . وأمّا الغضب فيعود من اللَّه تعالى إلى علمه بمخالفة أوامره وعدم طاعته له ، والمفهوم منه في حقّ العبد ثوران النفس وحركة قوّتها الغضبيّة عن تصوّر المؤذي والضارّ لإرادة مقاومته ورفعه . ولمّا كان البغض والغضب يستلزمان ثوران دم القلب وكان ذي النفس يستلزم مشقّة وكلفة لا جرم احترز عنها في إطلاق لفظ البغض والغضب عليه فقال : من غير مشقّة . واعلم أنّ إطلاق لفظ المحبّة والرضا على ما ذكرناه من الاعتبارات في حقّه مجاز . إذ كانت حقيقة الرضا هي سكون النفس الإنسانيّة والمحبّة ميلها إلى النافع فإطلاقهما على العلم إطلاق لاسم اللازم على الملزوم ، وكذلك إطلاق لفظي البغض والغضب في حقّه تعالى على علمه المخصوص . الخامس والخمسون : يقول لما أراد كونه كن فيكون . فإرادته لكونه هو