ابن ميثم البحراني

142

شرح نهج البلاغة

المنفعة الخاصّة بها . ثمّ خلق الحسّ القويّ ، وأراد بحسّها قوّتها الوهميّة وبقوّته [ بقوّة خ ] حذقها فيما أُلهمت إيّاه من وجوه معاشها وتصرّفها . يقال : لفلان حسّ حاذق إذا كان ذكيّا فطنا درّاكا . ثمّ خلق النابين ، واستعار لفظ المنجلين ليديها ، ووجه المشابهة تعوّجهما وخشونتهما ، وقرن بذكر النابين والمنجلين ذكر غايتهما وهما القرض والقبض ، ومن لطيف حكمته تعالى في الرجلين أن جعل نصفهما الَّذين تقع عليها اعتمادها وجلوسها شوكا كالمنشار ليكون لها معينا على الفحص ووقاية لذنبها عند جلوسها وعمدة لها عند الطيران . وقوله : يرهبها الزرّاع . إلى قوله : شهواتها . أي أنّها إذا توجّهت بعساكرها من أبناء نوعها إلى بقعة وهجمت على زرعها وأشجارها أمحته ولم يستطع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملكا من الملكوت أجلب عليها بخيله ورجله ليحمي بلاده منها لم يتمكَّن من ذلك ، وفي ذلك تنبيه على عظمة الخالق سبحانه وتدبير حكمته . إذ كان يبعث أضعف خلقه على أقوى خلقه ويهيّئ الضعيف من أسباب الغلبة ما لا يستطاع دفعه معها حتّى ترد ما تريد وروده وتقضى منه شهواته فيحلّ باختيار منه وترحل باختيار ، ومن عجايب الخواصّ المودعة في الجراد أنّها تلتمس لبيضها الموضع الصلد والصخور الملس ثقة بأنّها إذا ضربت فيها بأذنابها انفرجت لها ، ومعلوم أنّ ذلك ليس بقوّة إذ ليس في ذنب الجرادة من القوّة أن يخرق الحجر الَّذي يعجز عنه المعول بمجرّد قوّته لولا خاصيّة لها هناك . ثمّ إذا ضربت في تلك البقاع وألقت بيضها وأنضمّت عليها تلك الأخاديد الَّتي أحدثتها وصارت لها كالأفاحيص صارت خاضنة لها ومربّية وحافظة وواقية حتّى إذا جاء وقت دبيب الروح خرجت من البيض صهيا إلى البياض . ثمّ تصفرّ وتتلوّن فيه خطوط إلى السواد . ثمّ يصير فيه خطوط سود وبيض ، ثمّ يبدو حجم جناحيه . ثمّ يستقلّ فيموج بعضه في بعض ، وقيل : إنّ الجراد إذا أراد الخضرة ودونه نهر جار صار بعضه جسر البعض ليعبر إليها فمن الناس من جعل ذلك حيلة لها أُلهمت إيّاها . وأباه قوم وقالوا : بل الزحف الأوّل من الدبى إذا أراد الخضرة ولا يقدر عليها إلَّا