ابن ميثم البحراني

140

شرح نهج البلاغة

في علَّة الاختصاص فلا مميّز له . هذا خلف ، ولا لشيء من عوارض الجسميّة لأنّ الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصّص لكلّ منها بحدّ من الحكمة والمصلحة ، وقد مرّ تقرير هذه الحجّة مرارا . ثمّ لمّا نبّه على وجود الصانع سبحانه أردف ذلك بالدعاء على من جحده ، أو الإخبار عن لحوق الويل له . قال سيبويه : الويل مشترك بين الدعاء والخبر ، ونقل عن عطاء بن يسار أنّ الويل واد في جهنّم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه . ورفعها بالابتداء ، والخبر لمن أنكر . والمدبّر : هو العالم بعاقبة الأمر وما يشتمل عليه من المصلحة ويعود إلى القضاء ، والقدر هو الموجد على وفق ذلك العلم كما سبق بيانه ، وتأخير الدعاء على الجاحدين بعد إيضاح الحجّة عليهم هو الترتيب الطبيعي ، والإشارة بالجاحدين إلى صنف من العرب أنكروا الخالق والبعث ، وقالوا : بالدهر المفني . كما حكيناه عنهم في الخطبة الأولى ، وهم الَّذين أخبر القرآن المجيد عنهم بقوله « وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدهر » ( 1 ) . وقوله : زعموا . إلى قوله : صانع . إشارة إلى شبهتهم وهى من باب التمثيل فالأصل فيها هو النبات ، والفرع أنفسهم ، والحكم هو ما تو من كونهم بلا صانع كما أنّ النبات بلا زارع ، ولعلّ الجامع في اعتبارهم هو اختلاف الحياة والموت عليهم كما أشار إليه القرآن الكريم حكاية عنهم « نَمُوتُ ونَحْيا » أو نحوه من الأمور المشتركة وإن كانوا لا يلتفتون لفتا إلى هذا الجامع . إذ مراعاة هذه الأمور وتحقيق أجزاء التمثيل من صناعة هم عنها بمعزل ، وقد علمت أنّ التمثيل بعد تمام أجزائه إنّما يفيد ظنّا يختلف بالشدّة والضعف ، وعلمت وجوه الفساد فيه . وقوله : ولم يلجئوا . إلى قوله : جان . إنكار ومنع لما ادّعوه وأنّهم لم يأتوا فيه بحجّة ولا تحقيق برهان ، و

--> ( 1 ) 45 - 23 .