ابن ميثم البحراني

138

شرح نهج البلاغة

تنزيه جنابه المقدّس عن ذلك في مظانّه من الكتب الحكميّة والكلاميّة بل إن كان فيهما تفاوت واختلاف فمن جانب القابل واختلاف استعدادات الموادّ بالشدّة والضعف والأقدم والأحدث على ما أشرنا إليه غير مرّة ، واللطيف كما يراد به صغر الخلقة كذلك قد يراد به دقيق الصفة ، وقد يراد به الشفّاف كالهواء ، والأوّل هو مراده ولذلك جعله مقابلا للجليل . وقوله : وكذلك السماء . إلى قوله : والماء . فالمشبّه به هو الأمور المضادّة السابقة والمشبّه هو السماء والهواء والرياح والماء ، ووجه الشبه هو حاجتها في خلقها وتركيبها وأحوالها المختلفة والمتّفقة إلى صانع حكيم ، وأشار إلى الأمور الأولى المتضادّة أوّلا ونسبها إلى قدرته تعالى باعتبار كلَّيّتها ومن جهة تضادّها لأنّها أدلّ على كمال قدرته ، وأشار إلى الثانية وهى السماء وما عدّده معها لا لاعتبار تضادّها بل باعتبار ما اشتمل عليه كلّ منها من الحكمة والمنفعة وكونها موادّ الأجسام المركَّبات ، والهواء أعمّ من الرياح لتخصيص مسمّى الرياح بالحركة دون الهواء . وقوله : فانظروا . إلى قوله : المختلفات . أمر باعتبار حال ما عدّد من المخلوقات وما اختصّ به كلّ منها من الصفات والأشكال والمقادير والأضواء والألوان والمنافع إلى غير ذلك ممّا يدلّ على حاجة كلّ منها إلى مخصّص حكيم يخصّصه بما هو أليق به وأوفق للحاجة اللازمة له وأنسب إلى استعداده بعد اشتراك جميعها في الجسميّة ، وهو أمر بتقرير الحجّة الَّتي ذكرناها في كلّ واحد من الأمور المذكورة ، ولمّا كان حال أكثر هذه الأمور المذكورة مفتقرا إلى تقديم النظر البصريّ لغاية التفكَّر والاعتبار فيها أمر به ، وأمّا وجوه الاعتبارات فأكثر من أن يحصر فإنّك إذا اعتبرت حال الشمس والقمر في عظم أجرامهما والضياء الصادر عنهما وحركاتهما وتنقّلهما في منازلهما ، وما تستلزمه تلك الحركات من التأثيرات والإعدادات لوجود المركَّبات العنصريّة من المعدن والنبات والحيوان ثمّ اعتبرت ما ينفصل به أحدهما عن الآخر من