ابن ميثم البحراني

136

شرح نهج البلاغة

وقوله : مكفولة ومرزوقة . نصب على الحال . وقوله : رزقها ووفقها : أي موافق ومطابق لقوّتها وعلى قدر كفايتها . ويروى مكفول برزقها مرزوقة لوفقها . ثمّ ذكر نسبة ذلك إلى ربّها . فأشار إلى أنّه لا يغفلها : أي لا يتركها من لطفه وعنايته فإنّه باعتبار ما هو منّان على خلقه لا يجوز في حكمته إهمال بعضها من رزق يقوم به في الوجود ، وكذلك لا يحرمها باعتبار كونه ديّانا : أي مجازيا ، ووجه ذكر المجازاة هنا أنّها حيث دخلت في الوجود طائعة لأمره وقامت فيه منقادة لتسخيره وجب في الحكمة الإلهيّة جزاؤها ومقابلتها بما يقوم بوجودها فلا يكون محرومة من مادّة بقائها على وفق تدبيره ، ولو كانت في الصفاء اليابس والحجر الجامس ، بل يفتح لها أبواب معاشها في كلّ مكان . ثمّ نبّه على محال أخرى للفكر في النملة : فمنها مجاري أكلها ما تأكله وتلك المجاري كالحلق والأمعاء ، ومنها علوها وسفلها وعلوها بسكون اللام نقيض سفلها وهو رأسها وما يليه إلى الجزء المتوسّط منها وسفلها هو ما جاوز الجزء من طرفها الآخر ، ومنها ما اشتمل عليه جوفها من شراسيف بطنها أو ما يقوم مقامه فأطلق عليه أنّه شراسيف بالمجاز ، ومنها ما في رأسها من عينها وأُذنها وهى محلّ القوّة السامعة منها فإنّ كلّ ذلك على غاية صغره ولطافته محلّ العجب ومحلّ النظر اللطيف المستلزم للشهادة بحكمة الصانع ولطف تدبيره الَّذي يقضى الإنسان من تأمّله عجبا ، والقضاء هاهنا بمعنى الأداء : أي لأدّيت عجبا ، ويحتمل أن يكون بمعنى الموت : أي لقضيت نحبك من شدّة تعجّبك ، ويكون عجبا نصب على المفعول له . ثمّ لمّا نبّه على محال الفكر ووجوه الحكمة فيها أردف ذلك بتنزيه صانعها وتعظيمه تعالى ، وقرن ذلك التعظيم والتنزيه بنسبته إلى بعض صنعه بها ، وهو إقامته لها على قوائمها وبناها على دعائمها ، وأراد بدعائمها ما يقوم به بدنها من الأمور الَّتي مقام العظام والعصب والأوتار ونحوها ليحصل التنبيه على عظمته من لطف تلك القوائم واعتبار ضعف تلك الدعائم مع ما ركَّب فيها من لطائف الصنعة وأودعها من عجايب الحكمة من غير أن يشركه في