ابن ميثم البحراني

134

شرح نهج البلاغة

اعتبرت قوائمها وحركات مفاصلها وخفضها ورفعها وبعد ذلك من استثبات الحسّ له ونسبتها إلى جرمها وإلى أجزاء المسافة الَّتي تقطعها بل جزء من حركتها ، وكذلك انصبابها على رزقها بهداية تامّة إليه ونقلها إلى جحرها وغير ذلك من الاعتبارات المذكورة فإنّك إذا اعتبرت ذلك منها وجدت لنفسك منه تعجّبا وتفكَّرا في لطف جزئيّات صنعتها وحكمة خالقها ومدبّرها . وقوله : تجمع في حرّها لبردها : أي في الصيف للشتاء ، وفي ورودها لصدرها : أي في أيّام ورودها وتمكَّنها من الحركة لأيّام صدورها ورجوعها عن الحركة للعجز فإنّها تعجز في أيّام الشتاء عن ملاقاة البرد فتطلب بطن الأرض لكمون الحرارة فيه . ومن العجايب الَّتي حكاها أهل التجارب من أفعال النمل وإلهاماتها ما حكاه أبو - عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب « الحيوان » بفصيح عباراته . قال : إنّ النملة تدّخر في الصيف للشتاء فتقدم في أيّام المهملة ولا تضيّع أوقات إمكان الحزم ، وتبلغ من تفقّدها وصحّة تميزها والنظر في عواقب أمورها أنّها تخاف على الحبوب الَّتي ادّخرتها للشتاء أن تعفّن وتسوس في بطن الأرض ، فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها وتعيد إليها جفافها ويضربها النسيم فينفى عنها العفن والفساد . قال : وربّما تختار في الأكثر أن يكون ذلك العمل ليلا ليكون أخفى ، وفي القمر لأنّها فيه أبصر . فإن كان مكانها نديّا وخافت أن تنبت الحبّة نقرت موضع الطمير من وسطها لعلمها أنّها من ذلك الموضع تنبت ، وربّما فلقت الحبّة بنصفين . فأمّا إن كان الحبّ من الكزبرة فإنّها تفلقه أرباعا لأنّ أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جمع الحبّ . فهي بهذا الاعتبار مجاوزة لفطنة جميع الحيوان . قال : ونقل إليّ بعض من أثق به أنّه احتفر بيت النمل فوجد الحبوب الَّتي جمعتها كلّ نوع وحدة . قال : ووجدنا في بعضها أنّ بعض الحبوب فوق بعض وبينها فواصل حائله من التبن ونحوه . ثمّ إنّ لها مع لطافة شخصها وخفّة حجمها في الشمّ والاسترواح ما ليس لسائر الحيوان ، وذلك أنّه ربّما سقط من يد الإنسان جرادة أو عضو منها مثلا في موضع ليس بقربه ذرّ