ابن ميثم البحراني

119

شرح نهج البلاغة

ولَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا والْكَمَدُ مُحَالِفاً - وقَلَّا لَكَ ولَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ - ولَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ - بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي أذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ واجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ أقول : روى عوض الأنباء الأنبياء ، وهى الأخبار . والشؤون : مواصل قطع الرأس المشعوب بعضها مع بعض ، وملتقاها . والعرب تقول : إنّ الدموع يجيء منها . وقال ابن السكَّيت : الشأنان : عرقان ينحدران من الرأس إلى الحاجبين ثمّ إلى العينين . والكمد : الحزن المكتوم . والمحالف : الملازم . والبال . القلب . وقوله : بأبي أنت وأُمّي يتعلَّق بمحذوف تقديره أفديك . وإنّما قال له : لقد انقطع بموتك . إلى قوله : السماء لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم خاتم الأنبياء ، وأراد بأخبار السماء الوحي ، قال أهل التأويل : ولفظ السماء مستعار لما علا في المعنى من سماء عالم الغيب ومقامات الملأ الأعلى . وقوله : خصصت . إلى قوله : سواء . أي خصصت في مصيبتك من حيث إنّها مصيبة خاصّة عظيمة لا يصاب الناس في الحقيقة بمثلها فلذلك كانت مسلَّية لهم عن المصائب بمن سواك وعمّتهم بمصيبتك حتّى استووا فيها . وأضاف الخصوص والعموم إليه وإن كانا للمصيبة لكونها بسببه . وقوله : ولولا . إلى قوله : وقلَّا لك . إشارة إلى العذر في ترك البكاء الكثير ومماطلة الداء وملازمة الحزن ، وهو أمره صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالصبر في مواطن المكروه والنهى عن الجزع عند نزول الشدائد . وكنّى عن كثرة البكاء بإنفاد ماء الشؤون ، وبالداء عن ألم الحزن بفقده صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، واستعار له لفظ المماطلة كأنّ الحزن وألمه لثباته وتمكَّنه لا يكاد يفرق مع أنّ من عادته أن يفارق فهو كالمماطل بالمفارقة ، والضمير في قوله : وقلَّا لك يعود إلى إنفاد ماء الشؤون الَّذي دلّ عليه أنفدنا ، وإلى الكمد المخالف . ولمّا كان هو الداء المماطل أتى بضمير الاثنين ، ويحتمل أن يعود إلى الداء المماطل والحزن الملازم