ابن ميثم البحراني

116

شرح نهج البلاغة

متفاعل فيحصل بواسطتها استعداداتها ، وتفاعلها ذو مزاج هو نطفة وغيرها فتلك الأجزاء المتفاعلة المستعدّة لمزاج مزاج هي مبادي تلك الأمزجة والممتزجات ولمّا كانت السبخيّة والعذوبة والسهولة والحزونة أمورا تلحق الممتزجات الأرضيّة الَّتي هي مبادئ الطين ولها أثر في اختلاف مزاجه وساير الأمزجة المركَّبة منه ، وكان اختلاف استعدادات تلك الأمور الممتزجة لقبول الأمزجة الَّتي هي السبب في اختلاف الأمزجة واستعداداتها لقبول الأخلاق والصور هو السبب في اختلاف الأخلاق والصور لا جرم كان السبب في تفرّق الناس في أخلاقهم وخلقهم إنّما هو اختلاف مبادئ طينهم ، وقد علمت ممّا سلف في الخطبة الأولى لميّة تخصيصه عليه السّلام بعض الأجزاء العنصريّة بالتركَّب عنها ، ويحتمل أن يشير بالسبخ والعذب والسهل والحزن إلى الأجزاء الأرضيّة من حيث هي ذوات أمزجة متعادلة الكيفيّات . فالسبخ كناية عن الحارّ اليابس منها ، والعذب كناية عن الحارّ الرطب ، والسهل كناية عن البارد الرطب ، والحزن كناية عن البارد اليابس قالوا : وعلى هذا حمل قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ اللَّه سبحانه لمّا أراد خلق آدم أمر أن يؤخذ قبضة من كلّ أرض فجاء بنو آدم على قدر طينها الأحمر والأبيض والسهل والحزن والطيّب والخبيث . فالقبضة من كلّ أرض إشارة إلى الأجزاء الأرضيّة المذكورة ، وكون الناس مختلفين عنها بالأبيض والأحمر إشارة إلى اختلاف خلقهم ، وكونهم مختلفين بالسهولة والحزونة والطيّب والخبيث إشارة إلى اختلاف تلك الاستعدادات السابقة على كلّ مزاج في أطوار خلقهم قالوا : وقد بان بذلك معنى قوله : فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون : أي على حسب قرب مبادي طينهم المذكورة وتشابهها في استعداداتها وإعدادها يتقاربون ويتشابهون في الصور والأخلاق ، وعلى قدر اختلاف تلك المبادي وتباينها في ذلك يتفاوتون وتتضادّ أخلاقهم وتتباين خلقهم . قالوا : ويجب التأويل هنا لأنّا لو حملنا الكلام على ظاهره لاقتضى أنّ كلَّا منهم قد خلق من الطين . قوله : فتامّ الرواء . إلى آخره .