ابن ميثم البحراني

106

شرح نهج البلاغة

الوارث لاقتسام التراث . وأسند إليه البعث باعتبار أنّه سبب يلزمه انبعاث دواعي الورثة إلى اقتسام التراث لزوما عرضيّا . وقوله : بين حميم . متعلَّق بأتاكم بغتة مع ما بعده من الأفعال : أي كأنّه قد أتاكم بغتة ففعل بكم ما فعل من إسكات المتناجين وغيره بين صديق خاصّ لأحدكم لا ينفع صداقته حينئذ ، وقريب محزون لا ينفع حزنه ولا يقدر على المنع عنه ، وآخر عدوّ شامت لا يجزع عليه . ثمّ أردف ذكر الموت ولوازمه بالحثّ على العمل والجدّ فيه والتأهّب والاستعداد لنزول الموت وما بعده والتزوّد : أي بالتقوى في منزل الزاد وهو الدنيا لأنّها المنزل الَّذي لا يمكن تحصيل الزاد إلى الآخرة إلَّا فيه ، ولذلك أضافه إليه ، ثمّ بالنهى عن الانخداع لغرور الدنيا كانخداع السابقين والقرون الماضين ، واستعار لفظ الدرّة لمنافع الدنيا وخيراتها ، ولفظ الاحتلاب لجمعها واقتنائها : أي الَّذين فازوا بخيراتها وحصلوا عليها ، ولذلك استعار لفظ الغرّة لعدم وصول حوادثها إليهم في مدّة استمتاعهم بها فكأنّها غافلة عنهم لا ترميهم بشيء من المصائب فلمّا وجدوا ذلك منها أخذوا ما أخذوا وحصّلوا على ما حصّلوا . وإفناؤهم لما تعدّد فيها من مأكول وملبوس وغيرهما ممّا يستمتع به فيغني ، وكذلك إخلاقهم لجدّتها كناية عن استمتاعهم بما أخذوا منها من صحّة ومال وغيرهما إلى انقضائه وانتهاء مدّته حتّى كأنّهم لم يبقوا من محاسنها شيئا إلَّا أخلقوه . ولمّا وصف حالهم فيها بما وصف أردف ذلك بذكر غايتهم منها وهى الأحوال المذكورة بقوله : أصبحت مساكنهم أجداثا . إلى قوله : دعاهم . وخلاصة الكلام أنّكم لا تغترّوا بالدنيا كما اغترّ بها من كان قبلكم فإنّ أولئك مع أنّهم كانوا قد صادفوا غرّتها وحصّلوا منها على ما حصّلوا من خيراتها كانت غايتهم منها أن وصلوا إلى ما وصلوا من العدم فكذلك أنتم بطريق أولى . ثمّ أكَّد التحذير منها بذكر أوصافها المنفّرة عنها فاستعار لها لفظ الغرارة باعتبار كونها سببا ماديّا للاغترار كما سبق ، ولمّا كان الخداع هو المشورة بأمر ظاهره مصلحة وباطنه مفسدة وكان