ابن ميثم البحراني

88

شرح نهج البلاغة

كيفيّة الأمان من عذاب اللَّه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه وهو ملكات السوء الحاصلة عن حبّ قيناتها وملذّاتها الفانية الموجبة للهلاك بعد مفارقتها وزوالها . التاسعة : استعار لفظ العذب والحلو للذّاتها ولفظي الأجاج - وهو المالح - والصبر لما يشوب لذّاتها من الكدر بالأمراض والتغيّرات ، ووجه الاستعارات الاشتراك في الالتذاذ والإيلام . العاشرة : استعار لفظ الغذاء وكنّى به عن لذّاتها أيضا ، ولفظ السمام له . ووجه الاستعارة ما يستعقب الانهماك في لذّاتها من الهلاك في الآخرة كما يستعقبه شرب السمّ ، والسمام : جمع سمّ . ثمّ أعقب التحذير منها بالتنبيه على مصارع السابقين فيها ممّن كان أطول أعمارا وأشدّ بأسا من تغيّراتها وتنكَّراتها لهم مع شدّة محبّتهم وتعبّدهم لها . والسؤال على سبيل الإنكار عن دوام سرورها لهم وحسن صحبتها إيّاهم ، وصرّح بعده بالإنكار بقوله : بل أرهقتهم بالفوادح ، واستعار لها لفظ الإرهاق والتضعضع والتعفير والوطي وإعانة ريب المنون عليهم ، وأسند إليها أفعال الأحياء ملاحظة تشبهها بالمرأة المتزيّنة لخداع الرجال عن أنفسهم وأموالهم ونحو ذلك . الحادي عشر : لمّا فرغ من ذمّها والتنفير عنها بتعديد مذامّها استفهم السامعين على سبيل التقريع لهم عن إيثارهم لها بهذا المذامّ واطمينانهم إليها وحرصهم عليها . ثمّ عاد إلى ذمّها مجملا بقوله : بئست الدار لمن لم يتّهمها : أي لمن اعتقد بصحبتها وأنّها مقصودة بالذات فركن إليها فإنّها بذلك الاعتبار مذمومة في حقّه إذ كانت سبب هلاكه في الآخرة . فأمّا المتّهم لها بالخديعة والغرور فإنّه يكون فيها على وجل منها عاملا لما بعدها فكانت محمودة له إذ كانت سبب سعادته في الآخرة . ثمّ شرع في الأمر بالعمل على وفق العلم بمفارقتها ، وذلك أنّ ترك العمل للآخرة إنّما يكون للاشتغال بالدنيا فالعالم بضرورة مفارقتها له وما أعدّ لتاركى العمل من العذاب الأليم إذا نبّه على تلك الحال كان ذلك صارفا له عنها ومستلزما للعمل لغيرها ، وأكدّ التنبيه على مفارقتها بالتذكَّر بأحوال المفارقين لها بعد مفارقتها المضادّة للأحوال المعتادة للأحياء الَّتي ألفوها واستراحوا إليها . إذ كان من عادتهم إذا حملوا أن