ابن ميثم البحراني

86

شرح نهج البلاغة

واعلم أنّ مدار هذا الفصل على التحذير من الدنيا والتنفير عنها بذكر معايبها ، وفيه نكت : فالأولى : استعار لفظ الحلاوة والخضرة المتعلَّقين بحّسي الذوق والبصر لما يروق النفس منها ويلذّ ، ووجه المشابهة المشاركة في الالتذاذ به ، وإنّما خصّ متعلَّق هذين الحسّين لأكثريّة تأديتهما إلى النفس والالتذاذ بواسطتهما دون سائر الحواسّ . الثانية : وصف الدنيا بكونها محفوفة بالشهوات . وفي الخبر : حفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات . قال أصحاب المعانيّ : وفي ذلك تنبيه على أنّ النار هي الدنيا ، ومحبّتها بعد المفارقة هو سبب عذابها . قلت : إنّ ذلك غير مفهوم من كلامه عليه السّلام ، وأمّا معنى الخبر فجاز أن يراد فيه النار المعقولة فيكون قريبا ممّا قالوا ، وجاز أنّ يراد بالنار المحسوسة ، ويكون المعنى على التقديرين أنّ النار إنّما تدخل بالانهماك في مشتهيات الدنيا ولذّاتها والخروج في استعمالها عمّا ينبغي إلى ما لا ينبغي فكأنّها لذلك محفوفة ومحاطة بالشهوات لا يدخل إليها إلَّا منها . وأراد بالعاجلة اللذّات الحاضرة الَّتي مالت القلوب إلى الحياة الدنيا بسببها فأشبهت المرأة المتحبّبة بما لها وجمالها . فاستعير لها لفظ التحبّب ، وكذلك قوله : راقت بالقليل : أي أعجبت بزينتها القليلة بالنسبة إلى متاع الآخرة كميّة وكيفيّة ، وكذلك تجلَّيها بالآمال الكاذبة المنقطعة وبزينتها ممّا هو في نفس الأمر غرور وباطل فإنّه لولا الغرور والغفلة عن عاقبتها لما زانت في عيون طالبيها . الثالثة : استعار لها أوصاف المحتالة الخدوع ؛ وهي كونها غرّارة وغوّالة : أي كثيرة الاستغفال لأهلها والخداع لهم ، ووصف السبع العقور لكونها أكَّالة لهم ، وكنّى بالأوّلين عن كونها كالمخادع في كونها سببا لغفلتهم عمّا خلقوا لأجله بالاشتغال بها والانهماك في لذّاتها ، وبالأكَّالة عن كونها كالسبع في إفنائهم بالموت وطحنهم تحت التراب . الرابعة : معنى قوله : لا تعدوا . إلى قوله : مقتدرا أنّ غاية صفائها للراغبين فيها والراضين بها وموافقتها لهم لا يتجاوز المثل . وهو : أن تزهر في عيونهم وتروقهم