ابن ميثم البحراني
77
شرح نهج البلاغة
ننقهر عن مكالمته ومحاورته ونلزم معه السكون والخضوع وربّما يتبع ذلك رعدة البدن وتعثّم اللسان ، ومنشأ كلّ ذلك الخوف الحادث عن تصوّر عظمته فكيف يتصوّر جبّار الجبابرة وملك الدنيا والآخرة ، وكذلك الرجاء فإنّا عند تصوّر عظمة اللَّه نتصوّر أنّ الكلّ منه وذلك باعث على رجائه ، خصوصا وقد تأكَّد ذلك بالآيات الواردة في باب الخوف والرجاء ، وكذلك يستلزم الحياء لأنّ المتصوّر لعظمة الآمر لا يزال مستشعرا تقصيرا ومتوهّما ذنبا وذلك الاستشعار والتوهّم يوجب الحياء من اللَّه سبحانه . الخامس : إيتاء الزكاة ، وهى ركن قوىّ من أركان الدين ، وأشار إلى وجه فضلها بكونها فريضة واجبة . قال قطب الدين الراوندي : أراد بالفريضة السهم المنقطع من المال للفقراء المستحقّين المسمّى زكاة . قال : وهو عرف شرعيّ لأنّ الفريضة بمعنى الواجب فإنّ كلّ العبادات الواجبة كذلك ، ولأنّ الفرض والواجب بمعنى فيكون قوله : فريضة واجبة . تكرارا ، وأقول : ما ذكره وجه حسن ، وهو إشارة إلى بعض أسرارها كما نبيّنه ، ولهذه العبادة مع السرّ العامّ الشامل لجميع العبادات وهو الالتفات إلى اللَّه تعالى ومحبّته أسرار : الأوّل : أنّ المراد بكلمة الشهادة التوحيد المطلق وإفراد المعبود بالتوجّه إليه وذلك لا يتمّ إلَّا بنفي كلّ محبوب عداه فإنّ المحبّة لا يحتمل الشركة ، والتوحيد باللسان قليل الفائدة في الباطن وإنّما تمتحن درجة الحبّ بمفارقة المحبوبات ، والأموال محبوبة عند الخلق لأنّها آلة تمتّعهم بالدنيا وأُنسهم بها ونفرتهم عن الموت فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الَّذي هو معشوقهم كما قال تعالى « إِنَّ الله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ » ولمّا فهم الناس هذا المعنى انقسموا أقساما : فطائفة أخلصوا في حبّ معشوقهم ووفوا بعهده فبذلوا أموالهم ولم يدّخروا منها شيئا حتّى قيل لبعضهم : كم تجب من الزكاة في مائتي درهم قال : أمّا على العوّام فبحكم الشرع خمسة دراهم ، وأمّا علينا فيجب بذل الجميع ، ومنهم من قعد عن هذه المرتبة وأمسكوا أموالهم