ابن ميثم البحراني
74
شرح نهج البلاغة
أحدها : التصديق برسوله . وإنّما قدّمه على سائر العبادات لأنّه أصل لها لا تصحّ بدونه . الثاني : الجهاد في سبيله ، وقد عرفت فضائل الجهاد فيما سلف ، وأشار إلى وجه فضيلته بكونه ذروة الإسلام ، واستعار لفظ الذروة له ملاحظة لشبهه في العلوّ والمرتبة في الإسلام بالسنام للبعير وإنّما قدّمه على الصلاة لكون سالكه على يقين من لقاء اللَّه وقوّة من التصديق بما جاء به الرسول حيث يلقى نفسه إلى التهلكة الحاضرة الَّتي ربّما يغلب على ظنّه أو يتيقّنها ، ولأنّه الأصل الأعظم في جمع العالم على الدين . الثالث : كلمة الإخلاص ؛ وهى كلمة التوحيد المستلزمة لنفى الشركاء والأنداد وهى معنى الإخلاص ولذلك أضيفت إليه ، ووجه فضيلتها كونها فطرة اللَّه الَّتي فطر الناس عليها فإنّ العقول السليمة البريّة عن شوائب العلائق البدنيّة وعوارض التربية شاهدة ومقرّة بما أُخذ عليها من العهد القديم من توحيد صانعها وبراءته عن الكثرة ، وأطلق عليها اسم الفطرة وإن كانت الفطرة عليها مجازا إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه . الرابع : إقامة الصلاة ، وإنّما جعلها الملَّة وإن كانت بعض أركان الدين لأنّها الركن القوىّ من أركانه فأطلق عليها ذلك اللفظ إطلاقا لاسم الكلّ على الجزء مجازا . وأعلم أنّ للصلاة فضائل وأسرار يجب التنبيه عليها : أمّا فضيلتها فقد ورد فيها أخبار كثيرة بعد تأكيد القرآن الكريم للأمر بها كقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم : الصلاة عمود الدين من تركها فقد هدم الدين ، وقوله : مفتاح الجنّة الصلاة ، وقوله في فضل إتمامها : إنّ الرجلين من أُمّتي يقومان في الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وإنّما بين صلاتيهما ما بين السماء والأرض ، وقوله : أمّا يخاف الَّذي يحوّل وجهه في الصلاة أن يحوّل اللَّه وجهه وجه حمار ، وقوله : من صلَّى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا غفر اللَّه له ذنوبه . وأمّا أسرارها فيقسم إلى عامّة وإلى خاصّة ،