ابن ميثم البحراني

7

شرح نهج البلاغة

بتكامل صنايع اللَّه فيهم بما يأمّلونه من ظهور إمام منتظر . فقوله : الحمد للَّه . إلى قوله : حقوقه . شكر له تعالى باعتبار أمرين : أحدهما : نشره لفضله في خلقه . الثاني : بسطه فيهم بالجود يده ، ويده نعمته مجازا لتقدّسه تعالى عن الجارحة ، وهو من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب ، وظاهر كون الجود مبدءا للنعمة ، والنشر والبسط وإن كانا حقيقة في الأجسام إلَّا أنّهما من الاستعارات الشائعة الَّتي قاربت الحقيقة ثمّ أكَّد ذلك الحمد بتعميمه باعتبار كلّ صادر عنه من رخاء وشدّة . إذ الشدائد اللاحقة من نعمه أيضا فإنّها إذا قوبلت بصبر جميل استلزمت ثوابا جزيلا كما قال تعالى « وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » الآية ، وظاهر أنّ أسباب النعم نعم ولمّا حمده على ما لحق من نعمائه طلب منه المعونة على رعاية واجب حقوقه ، واستعار لفظ الصادع للرسول ووجهها أنّه شقّ بأمر اللَّه بيضة الشرك وقلوب المشركين فأخرج ما كان فيها من الكفر والجهل ونطق بذكره تعالى فأودعها إيّاه فأدّى ما أمر به أمينا عليه وقبضه اللَّه إليه مرشدا له إلى حضرة قدسه ومنازل الأبرار من ملائكته ، وصادعا وناطقا وأمينا ورشيدا أحوال ، وأشار براية الحقّ الَّتي خلَّفها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلى كتاب اللَّه وسنّته ، وأشار بتقدّمها والتخلَّف عنها إلى طرفي الإفراط والتفريط من فضيلة الاستقامة عليها : أي أن من كان تحتها لاحقا بها فهو على حاقّ الوسط من الفضائل ، ومن تقدّمها كان على طرف الإفراط وقد تعدّى في طلب الدين وأغلى فيه على جهل فمرق منه كما فعلت الخوارج ، ومن تخلَّف عنها كان على طرف التفريط والتقصير فهلك في طريق الضلال والحيرة ، ولفظ الراية مستعار ، ووجه المشابهة كون الكتاب والسنّة مقصدين لتابعهما يهتدى بهما في سبيل اللَّه كما أنّ الراية كذلك ، وأشار بدليلها إلى نفسه استعارة ، ووجهها أنّ الإمام مظهر ومبيّن لأحكام الكتاب والسنّة وما خفى منهما للسالكين إلى اللَّه كما يرفع الراية حاملها لتابعيه ليقتدوا به ثمّ أشار إلى صفات ذلك الدليل ، وكنّى بقوله : مكيث الكلام عن تروّيه وتثبّته في أقواله وما يشير به ويحكم ، وبقوله : بطىء القيام عن تأنّيه في حركته في وجوه المصالح إلى حين استثباته