ابن ميثم البحراني

66

شرح نهج البلاغة

ذلك الأسباب الخارجيّة من الأهوية واستعمال الأدوية المجفّفة وسائر المخفّفات كان كلّ عضو أيبس من طبيعته وأبرد أسرع إلى البطلان وأسبق إلى الفساد . إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع فلأنّ آلة النطق مبنيّة على الأعصاب المحرّكة ومركَّبة منها ، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ ، واتّفق الأطبّاء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس وأبرد لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ فإنّ جلَّها منبعث من مقدّم الدماغ فكانت لذلك أقرب إلى البطلان ، ولأنّ النطق أكثر شرائط من السماع لتوقّفه مع الآلة وسلامتها على الصوت وسلامة مخارجه ومجاري النفس ، والأكثر شرطا أسرع إلى الفساد ، وأمّا بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب الَّتي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة الصماخ الَّذي رتّبت فيه قوّة السمع احتاج أن يكون مكشوفا غير مسدود عنه سبيل الهواء بخلاف العصب الَّذي هو آلة البصر فكانت لذلك أصلب ، والأصلب أيبس وأسرع فسادا . هذا مع أنّه قد يكون ذلك لتحلَّل الروح الحامل للسمع قبل الروح الحامل للبصر أو لغير ذلك . واللَّه أعلم ، وأمّا سبب النفرة الطبيعيّة من الميّت والتوحّش من قربه فحكم الوهم على المتخيّلة بمحاكاة حاله في نفس المتوهّم ، وعزل العقل في ذلك الوضع حتّى أنّ المجاور لميّت في موضع منفرد يتخيّل أنّ الميّت يجذبه إليه ويصيّره بحالة مثل حالته المنفورة عنها طبعا . السادسة : قوله : وأسلموه فيه إلى عمله إشارة إلى أنّ كلّ ثواب وعقاب أُخرويّ يفاض على النفس فبحسب استعدادها بأعمالها السابقة الحسنة والسيّئة فعمل الإنسان هو النافع أو الضارّ له حين لا ناصر له ، ولمّا كان ميله عليه السّلام في هذا الكلام إلى الإنذار والتخويف لا جرم ذكر إسلامهم له إلى عمله لأنّ الإسلام إنّما يكون إلى العدوّ فلمّا حاول أن ينفّر عن قبح الأعمال نبّه على أنّ عمل الإنسان القبيح يكون كعدوّه القوىّ عليه يسلم إليه .