ابن ميثم البحراني

51

شرح نهج البلاغة

حقيقة فقد بيّنّا أنّه يجوز استعماله مجازا فيها بحسب القرينة وهى هنا إضافته إلى كلّ شيء أو لأنّه في قوّة المتعدّد كقوله تعالى « إِنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ » ( 1 ) فكأنّه قال : الملك خاشع له والبشر خاشع له ، وهذا الاعتبار يستلزم وصفه تعالى باعتبارين : أحدهما : كونه عظيما ، والثاني : كونه غنيّا : أمّا العظيم فينقسم إلى ما يكبر حاله في النفس ولكن يتصوّر أن يحيط بكماله العقول ويقف على كنه حقيقته ، وإلى ما يمكن أن يحيط به بعض العقول وإن فات أكثرها ، وهذان القسمان إنّما يطلق عليهما لفظ العظمة بالإضافة ، وقياس كلّ إلى ما دونه فيما هو عظيم فيه ، وإلى ما لا يتصوّر أن يحيط به العقل أصلا وذلك هو العظيم المطلق الَّذي جاوز حدود العقول أن يقف على صفات كماله ونعوت جلاله ، وليس هو إلَّا اللَّه تعالى ، وأمّا الغنىّ فسنذكره . الثاني : قيام كلّ شيء به واعلم أنّ جميع الممكنات إمّا جواهر أو أعراض وليس شيء منها يقوم بذاته في الوجود : أمّا الأعراض فظاهر لظهور حاجتها إلى المحلّ الجوهريّ ، وأمّا الجواهر فلأنّ قوامها في الوجود إنّما يكون بقيام عللها وتنتهي إلى الفاعل الأوّل جلَّت عظمته فهو إذن الفاعل المطلق الَّذي به قوام كلّ موجود في الوجود ، وإذ ثبت أنّه تعالى غنىّ عن كلّ شيء في كلّ شيء وثبت أنّ به قوام كلّ شيء ثبت أنّه القيّوم المطلق . إذ مفهوم القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره فكان هذا الاعتبار مستلزما لهذا الوصف . الثالث : كونه تعالى غنى كلّ فقير ويجب أن يحمل الفقر على ما هو أعمّ من الفقر المتعارف وهو مطلق الحاجة ليعمّ التمجيد كما أنّ الغنى هو سلب مطلق الحاجة ، وإذ ثبت أنّ كلّ ممكن فهو مفتقر في طرفيه منته في سلسلة الحاجة إليه ، وأنّه تعالى المقيم له في الوجود ثبت أنّه تعالى رافع حاجة كلّ موجود بل كلّ ممكن وهو المراد بكونه غنى له ، وأطلق عليه تعالى لفظ الغنى وإن كان الغنى به مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب .

--> ( 1 ) 33 - 56 .