ابن ميثم البحراني

48

شرح نهج البلاغة

استعار وصف الصيال للدهر ملاحظة لشبهه بالسبع ، ووجه الاستعارة كون الدهر مبدءا قوّيا لتلك الشرور الواقعة فأشبه السبع الضاري العقور في شدّة صياله . ثمّ استعار لفظ الفنيق للباطل ورشّح الاستعارة بذكر الهدير والكظوم ، ووجه المشابهة ظهور الباطل وإكرام أهله وتمكَّنهم من الأمر والنهى كالفحل المكرّم ذي الشقشقة ، وعنى بالهدير ظهورهم وتمكَّنهم وبالكظوم خفاء الباطل وخمول أهله في زمان ظهور الحقّ وقوّته . وقوله : وتواخي الناس على الفجور : أي كان اتّصالهم ومحبّة بعضهم لبعض على الفجور واتّباع الأهواء . وتهاجروا على الدين : أي من أحسّوا منه قوّة في دينه هجروه ورفضوه . فهجرهم . والتحابّ على الكذب داخل تحت التواخي على الفجور ، والتباغض على الصدق داخل تحت التهاجر على الدين ، والغرض بتعداد ذلك تنفير السامعين عن تلك الرذائل وتخويفهم بوقوعها . وقوله : فإذا كان ذلك كان الولد غيظا : أي إذا أُحدث ذلك اشتغل كلّ امرء بنفسه لينجو بها . فيكون الولد الَّذي هو أعزّ محبوب غيظا لوالده : أي من أسباب محنته وغيظه ، وأطلق لفظ الغيظ عليه إطلاقا لاسم السبب على المسبّب . وقوله : والمطر قيظا . جعل وقوع المطر قيظا من علامات تلك الشرور وهو أيضا ممّا يعدّ شرّا لأنّه لا يثير نباتا ولا يقوم عليه زرع ويفسد الثمار القائمة ، وكأنّه كنّى به عن انقلاب أحوال الخير شرورا . وقوله : وكان أهل ذلك الزمان . إلى قوله : أمواتا . أهل كلّ زمان ينقسمون إلى ملوك أكابر ، وأوساط ، وأداني . فإذا كان زمان العدل كان أهله في نظام سلكه فيفيض عدل الملوك على من يليهم ثمّ بواسطتهم على من يليهم حتّى ينتهى إلى أداني الناس ، وإذا كان زمان الجور فاض الجور كذلك فكانت السلاطين سباعا ضارية مفترسة لكلّ ذي سمن ، وكان أهل ذلك الزمان وأكابره ذئابا ضارية