ابن ميثم البحراني
472
شرح نهج البلاغة
الدهاء والمكر والمكائد فلمّا رأت العوامّ نوادر معاوية في المكائد وكثرة معايبه في الخديعة وما تهيّأ له ولم يروا مثل ذلك من عليّ ظنّوا القصور فظنّهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان في عليّ . ثمّ انظر بعد ذلك كلَّه هل يعدّ لمعاوية من الخداع أكبر من رفع المصاحف ، ثمّ انظر هل خدع بها إلَّا من عصى رأى عليّ وخالف أمره من أصحابه فإن زعمت أنّه قد نال ما أراد بخداعه من الاختلاف على عليّ فقد صدقت ولكن ليس ذلك محل النزاع ولم يختلف في غرارة أصحاب عليّ وعجلتهم وتسرّعهم وتنازعهم ، وإنّما كانت البحث في التمييز بينه وبين معاوية في الدهاء والمكر وصحّة العقل والرأي . فهذه خلاصة كلامه ، ومن تأمّله بعين الانصاف علم صحّته وصدقه ، ومن هذا يتبيّن لك الجواب عن كلّ ما نسب إليه من التقصير في خلافته كعدم إقراره لمعاوية على الولاية في أوّل خلافته ثمّ يعزله بعد ذلك لما يستلزم تقريره من الظلم ، وكشبهة التحكيم ، وكنسبتهم له إلى التوحّش لبعض أصحابه حتّى فارقوه إلى معاوية كأخيه عقيل وشاعره النجاشي ومصقلة بن هبيرة ، وكتركه لطلحة والزبير حتّى فارقاه وخرجا إلى مكَّة وأذن لهما في العمرة وذهب عنه الرأي في ارتباطهما عنده ومنعه لهما من البعد عنه ، وأمثال ذلك فإنّ الانصاف عند اعتبار حاله في جميع ما نسب إليه يقتضى موافقته للشريعة وعدم خروجه عنها . وتفصيل الأجوبة عن ذلك ممّا يخرج عن الغرض ، وباللَّه التوفيق . 192 - ومن كلام له عليه السّلام أَيُّهَا النَّاسُ - لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ - فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ - وجُوعُهَا طَوِيلٌ - أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا والسُّخْطُ - وإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ - فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا - فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ( فَعَقَرُوها