ابن ميثم البحراني

447

شرح نهج البلاغة

هي مظنّتها ، واختلاف النينان بالمجئ والذهاب وقطع البحار طولا وعرضا . ثمّ عقّب بشهادة الرسالة . ثم بالوصيّة بتقوى اللَّه ، وقرنها باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إليه وهى كونه سبحانه مبدءا لخلقهم ومنتهى لمعادهم الحسّى والعقليّ كقوله تعالى « وهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » وقد نبّهنا عليه مرارا ، وأنّ به نجاح طلباتهم ، وإليه منتهى رغباتهم ، ونحوه قصدهم وسلوكهم فإنّه تعالى غاية الكلّ ، وإليه مرامي مفزعهم يقال : فلان مرمى قصدي : أي إليه مفزعي في المهمّات ، ونحوه قوله تعالى « إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ » ( 1 ) . ثمّ باعتبارات من صفة التقوى توجب الفزع إليها . ( ا ) وهى كونها دواء داء قلوبكم ، وقد عرفت كونها دواء لأدواء الرذائل النفسانيّة الموبقة . ( ب ) وبصر عمى أفئدتكم : أي أبصار أفئدتكم من عمى الجهل . ( ج ) وشفاء مرض أجسادكم ، وذلك أنّ التقوى تستلزم قلَّة الأكل والشرب واستعمالهما بقدر الحاجة كما قال في صفات المتّقين : منزورا أكله . وقد علمت ما تحدث البطنة من الأمراض البدنيّة ، ولذلك قال عليه السّلام : المعدة بيت الأدواء . ( د ) وصلاح فساد صدوركم : أي من الغلّ والحسد والخبث والنيّات المخالفة لأوامر اللَّه . فإنّ التقوى تستلزم نفى ذلك كلَّه . وصلاح الصدور منه لأنّ مبادي تلك الشرور كلَّها محبّة الدنيا وباطلها ، والمتّقون بمعزل عن ذلك . ( ه ) وكذلك طهور دنس أنفسكم : أي من نجاسات الرذائل المهلكة وهو كقوله : دواء قلوبكم . لكن اعتبار كونها دواء يخالف اعتبار كونها طهورا إذ في الأوّل ملاحظة كون الرذائل أمراضا ضارّا تؤدّى إلى الهلاك السرمدي ، وفي الثاني اعتبار كونها نجاسات تمنع من دخول حظيرة القدس ومقعد الصدق . ( و ) وجلاء عشا أبصاركم ، وفيه استعارة لفظ العشا لما يعرض عن ظلمة الجهل ، وسائر الرذائل من عدم إدراك الحقائق ، ويروى غشاء بالغين المعجمة وهو الظلمة

--> ( 1 ) 16 - 55 .