ابن ميثم البحراني

396

شرح نهج البلاغة

بِقُدْرَتِهِ ، واسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ ، وسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ ، وهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ ، وبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ والإِنْسِ رُسُلَهُ ؛ لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ولِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا ، ولِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا ولِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وأَسْقَامِهَا ، ولَيُبْصَرُوهُمْ عُيُوبَهَا وحَلَالِهَا وحَرَامِهَا ، ومَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ والْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ ونَارٍ وكَرَامَةٍ وهَوَانٍ . أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ ، وجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ولِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً أقول : المنصبة : التعب . وحمد اللَّه باعتبار كونه معروفا بآيات آثاره عند العقول المعرفة المنزّهة عن إدراك البصر المختصّ بالأجسام ولواحقها . ثمّ باعتبار كونه خالقا وموجدا الايجاد المنزّه عن المتاعب لاستلزامها الآلات المستلزمة للجسميّة الَّتي من شأنها الضعف والنهاية في القوّة . ثمّ نبّه على استناد الخلايق والنعم المفاضة إلى قدرته ليعتبر السامعون نسبتهم إليه ، وباعتبار استعباده الأرباب على كمال عزّه المطلق الواجبيّ المستلزم لخضوع كلّ موجود في ذلّ الإمكان والحاجة إليه ، وبسيادته للعظماء على كمال عظمة وجوده الواجبيّ المطلق المستلزم لفقر كلّ إليه وتعبّده له ، ثمّ بنسبة إسكانهم الدنيا وبعثه رسله إلى الجنّ والإنس منهم كما قال « يا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي » ( 1 ) الآية على كمال لطفه بخلقه وحكمته في إيجادهم في الدنيا . وغاية ذلك أن يكشفوا لهم ما يغطَّى بحجب الدنيا عن أعين بصائرهم من أحوال الآخرة الَّتي خلقوا لها ، وأن يجذبوهم بالتحذير من

--> ( 1 ) 6 - 130 .