ابن ميثم البحراني
393
شرح نهج البلاغة
بالزهد والعبادة الحقيقيّتين والمواظبة على العمل بأوامر اللَّه ، ووجه الاستعارة أنّ بذلك الاستعداد يأمن إصابة سهام الهوى وثوران دواعي الشهوات القايدة إلى النار كما يأمن لابس الجنّة من أذى الضرب والجرح . وأخذه لها بجميع آدابها من الإقبال عليها والمعرفة بها : أي بقدرها والتفرّغ لها عن العلايق الدنيويّة بالزهد من جملة الاستعداد لها أيضا ، واستعار لها لفظ الضالَّة لمكان إنشاده وطلبه كما تطلب الضالَّة من الإبل ، وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام : الحكمة ضالَّة المؤمن . وقوله : فهو مغترب إذا اغترب الإسلام . إشارة إلى إخفائه نفسه وإيثاره العزلة عند اغتراب الإسلام وضعفه وظهور البدع والمنكرات كما أشار إليه سيّد المرسلين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بدء الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدء ، واستعار لفظ العسيب والذنب والجران ملاحظة لشبهه بالبعير البارك ، وكنّى بذلك عن ضعفه وقلَّة نفعه فإنّ البعير أقلّ ما يكون نفعه حال بروكه . وقوله : بقيّة من بقايا حجّته . أي على خلقه . إذا العلماء والعارفون حجج اللَّه في الأرض على عباده ، وظاهر كونه خليفة من خلفاء أنبيائه لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : العلماء ورثة الأنبياء . وقوله : أيّها الناس . إلى قوله : تستوسقوا . تذكير بموعظته لهم ، وإعذار إليهم بأداء ما كلَّف به في حقّهم ممّا كلَّفت به الأنبياء مع أممهم والأوصياء إلى من بعدهم ، ومعاتبة لهم ، وتوبيخ على عدم استقامتهم واجتماعهم على أوامره مع تأديبه لهم بالضرب والتحذير بالزواجر . وقوله : للَّه أنتم . إلى قوله : السبيل . استفهام لهم عن توقّعهم إماما هاديا مرشدا غيره استفهاما على سبيل الإنكار لوجود سبيل ذلك الإمام ، وأكَّد ذلك الإنكار المفهوم من الاستفهام بقوله : ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا : أي من الخير وصلاح أهلها ، وأقبل منها ما كان مدبرا : أي من الشرور الَّتي أدبرت بمقدم الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وظهور الإسلام ، وأزمع الترحال عباد اللَّه الأخيار المتوقّع فيهم إمام كمثله عليه السّلام في الهداية لسبيل اللَّه ، و