ابن ميثم البحراني
362
شرح نهج البلاغة
أكثر تأثيراً فإذا لم ينتفع بها ولم يستفد منها علما فبالأولى أن لا ينتفع بالموعظة . وقوله : من أمامه . لأنّ الكمالات الَّتي يتوجّه إليها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته ووقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتيان النقصان له من أمامه . وقوله : حتّى يعرف ما أنكر وينكر ما عرف . إشارة إلى غاية نقصانه ، وهي الاختلاط والحكم على غير بصيرة فتارة يتخيّل فيما أنكره وجهله أنّه عارف بحقيقته ، وتارة ينكر ما كان يعرفه ويحكم بصحّته لخيال يطرأ عليه . ثمّ قسّم لهم الناس إلى قسمين : فقسم متّبع شرعة : أي طريقة ومنهاجا وهو منهاج الدين ، وقسم مبتدع بدعة بغير برهان سنّة من اللَّه يعتمد عليه ، ولا ضياء حجّة يقوده في ظلمات الجهل ليلحقوا بأفضل القسمين . وقوله : إنّ اللَّه سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن . رجوع إلى ممادح القرآن ، واستعار له ألفاظا : الأوّل : لفظ الحبل ، ورشّح بالمتين ، وقد عرفت وجه هذا الاستعارة مراراً . الثاني : وكذلك سببه الأمين . الثالث : لفظ الربيع ، ووجهها أنّ القلوب يحيى به كما يحيى الأنعام بالربيع . الرابع : لفظ الينابيع ، ووجهها أنّ العلوم عند تدبّره والتفهم عنه تغيض عنه وينتفع بها كما يغيض الماء عن الينابيع . الخامس : لفظ الجلاء ، ووجهها أنّ الفهم عنه يكشف عن القلوب صداء الجهل كما يجلو الصيقل المرآة . فإن قلت : فلم قال : وليس للقلب جلاء غيره مع أنّ سائر العلوم جلاء له . فالجواب من وجهين : أحدهما : أنّ العلوم الجالية للقلب هي المعدّة لسلوك سبيل اللَّه والوصول إلى الغاية من الكمال النفسانيّ كالعلوم الإلهيّة ، وعلم الأخلاق وأحوال المعاد ، ولا علم منها إلَّا وفي القرآن أصله ومادّته وهو مقتبس من القرآن . الثاني : أنّ هذا الكلام صدر عنه عليه السّلام ولم يكن في ذلك الزمان علم مدوّن ولا استفادة للمسلمين إلَّا من