ابن ميثم البحراني

360

شرح نهج البلاغة

الَّتي عدّدناها وذلك عين ما ادّعاه في قوله : إنّ التقوى لا ينفع العبد حتّى يخزن لسانه . فأمّا برهان الخبر فهو أنّ استقامة القلب عبارة عن التصديق باللَّه ورسوله واعتقاد حقيّة ما وردت به الشريعة من المأمورات والمنهيّات ، وذلك عين الإيمان وحقيقته فإذن لا يستقيم الإيمان حتّى يستقيم القلب ، وأمّا أنّه لا يستقيم القلب حتّى يستقيم اللسان فلأنّ استقامة اللسان على الإقرار بالشهادتين ولوازمها وعلى الإمساك عمّا لا ينبغي من الأمور المعدودة من لوازم استقامة القلب لحكمنا على غير المقرّ بتلك الأمور والقائل بها بعدم الإيمان الكامل ، ولا يستقيم أمر من دون لازمه . وقوله : فمن استطاع . إلى قوله : فليفعل . أمر بالاجتهاد في لقاء اللَّه تعالى على أحوال ، وهي نقاء الراحة من دماء المسلمين وأراد السلامة من قتل النفس ، وأموالهم وأراد السلامة من الظلم ، وأن يكون الإنسان سليم اللسان من أعراضهم وأراد الكفّ عن الغيبة والسبّ ، وشرط ذلك بالاستطاعة لعسره وشدّته وإن كان واجب الترك على كلّ حال ، وأشدّها الكفّ عن الغيبة فإنّه يكاد أن لا يستطاع ، وإلى نحو هذا إشارة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم المسلَّم من سلم المسلمون من يده ولسانه . فسلامتهم من يده سلامة دمائهم وأموالهم ، وسلامتهم من لسانه سلامة أعراضهم ، وأعمّ من ذلك قال بعض الحكماء : من علم أنّ لسانه جارحة من جوارحه أقلّ من إعمالها واستقبح إدامة تحريكها كما يستقبح أن يحرّك رأسه أو منكبه دائما . وقوله : واعلموا . إلى قوله : حرّم عليكم . قال بعض الشارحين : هو إشارة إلى أنّ ما ثبت من طريق النصّ أو العادة الَّتي شهد بها النصّ في زمان الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لا يجوز أن ينقض بالقياس والاجتهاد بل كلّ ما ورد به النصّ فيتبع فيه مورد النصّ فما كان حلالا بمقتضى النصّ وعمومه العام الماضي فهو في هذا العام حلال ، وكذا في الحرام ، وعموم هذا الكلام يقتضى عدم جواز نسخ النصّ وتخصيصه بالقياس وهو مذهب الإماميّة لاعتقادهم بطلان القول بالقياس المتعارف ، ومذهب جماعة من الأُصوليّين مع اعترافهم بصحّة