ابن ميثم البحراني
358
شرح نهج البلاغة
وهو البرهان المطلوب ، وجرت العادة بأنّ البرهان يكون عند المحاجّة ، وكذلك الانقطاع عن الجواب يشبه كون المسؤول محجوجا ، وهذا الاحتجاج والشهادة مقاليّة عند القائلين بحشر الأجساد ، وحاليّة عند غيرهم . ثمّ أخبر أنّ القدر السابق في علم اللَّه قد وقع ، والقضاء الماضي : أي النافذ قد تورّد : أي دخل في الوجود شيئا فشيئا ، وقد علمت فيما سلف أنّ القضاء هو العلم الإلهي بما يكون وما هو كائن ، وأنّ القدر تفصيله الواقع على وفقه لكنّه أشار بوقوع القدر هنا إلى وقع خاص وهو خلافته وما يلزمها من الفتن والوقايع ، وروى أنّ هذه الخطبة من أوائل الخطب الَّتي خطب بها أيّام بويع بعد قتل عثمان . قال بعض الشارحين : وفي هذا الكلام إشارة إلى أنّ الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أخبره أنّ الأمر سيصل إليه في آخر وقته ، وأقول : لا شكّ أنّ وقوع هذا الأمر من القدر السابق على وفق القضاء ، وليس للَّفظ إشعار بما قال هذا الفاضل . إذ كان عليه السّلام عالما بأنّ كلّ واقع في الوجود فبقضاء من اللَّه وقدر . وقوله : وإنّي متكلَّم بعدة اللَّه وحجّته . أي لمّا وقع هذا الأمر إليّ فإنّي أتكلَّم بكذا ، وعدة اللَّه ما وعد به عباده الَّذين اعترفوا بربوبيّته واستقاموا على سلوك سبيله بطاعته من تنزّل الملائكة عليهم بذهاب الخوف والحزن والبشارة بالجنّة ، وأمّا حجّته الَّتي تكلَّم بها فقوله : وقد قلتم ربّنا اللَّه : أي اعترفتم بالربوبيّته فاستقيموا على كتابه وعلى منهاج أمره وعلى الطريقة الصالحة من عبادته : أي الَّتي هي عن علم والخالصة من الرياء والنفاق من غير أن يمرقوا منها : أي يخرجوا فيها بالتحذلق والتشدّد إلى طرف الإفراط الَّذي هو ثمرة الجهل ، ولا تحدثوا فيها بدعة ولا تخالفوا عنها وتحيدوا يمينا وشمالا فتقعوا في مهاوي الهلاك فإنّكم متى فعلتم ذلك فقد تمّ شرط استحقاقكم لإنجاز عدته المذكورة فإنّ ذلك الشرط مركَّب من الاعتراف بربوبيّته ، والاستقامة على الأمور المذكورة فحينئذ يجب أن تفاض تلك العدة ، ومع فوات جزء من ذلك الشرط لا يقع المشروط فلم يتحقّق الموعود به ، وذلك معنى كون أهل المروق