ابن ميثم البحراني
34
شرح نهج البلاغة
أقول : القبس : الشعلة . وأورى : أشعل . والحابس : الواقف بالمكان . والنزل : ما يهيّأ للنزيل من ضيافة ونحوها . والسناء : الرفعة . والزمرة : الجماعة من الناس . والناكب : المنحرف من الطريق . فقوله : حتّى أورى . إلى قوله : لحابس . غاية لكلام مدح فيه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وذكر جهاده واجتهاده في الدين للغاية المذكورة ، واستعار لفظ القبس لأنوار الدين المشتعلة لتقتبس منها نفوس الخلائق أنوار الهدى ، وكذلك استعار لفظ العلم وأسند إليه تنويره . ويفهم منه أمران : أحدهما : أنّه أظهر أنوارا جعلها أعلاما يهتدى بها في سبيل اللَّه من حبسته [ أجلسته خ ] ظلمة الحيرة والشبهة عن سلوكها فهو واقف على ساق التحيّر كقوله تعالى « وإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا » ( 1 ) وكنّى بتلك الأعلام عن آيات الكتاب والسنن . الثاني : أن يكون المراد بالأعلام أئمّة الدين ، وتنويره لها تنوير قلوبهم بما ظهر عن نفسه القدسيّة من الكمالات والعلوم . وقوله : فهو أمينك المأمون . أي على وحيك ، وشهيدك يوم الدين : أي على خلقك ، وبعيثك نعمة : أي مبعوثك إليهم نعمة عليهم بهدايتهم به إلى جنّتك ، ورسولك بالحقّ رحمة لعبادك أن يقعوا في مهاوي الهلاك بسخطك « وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » ثمّ أردفه بالدعاء له صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فدعا اللَّه أن يقسم له مقسما من عدله ، ولمّا كان مقتضى عدل اللَّه أن يبلغ نفسا هي محلّ الرسالة أقصى ما استعدّت له من درجات الكمال ويعدّها بذلك لكمال أعلى ، دعا له أن يقسم له نصيبا وافرا من عدله يعدّه به للدرجات من رتب الوصول الغير المتناهية . وقوله : واجزه مضاعفات الخير من فضلك . لمّا دعا له بما يستحقّه زاد على ذلك فدعا له بأن يتفضّل عليه بزيادة من فضله فيضاعف له ما يستحقّه من الخيرات .
--> ( 1 ) 2 - 19 .