ابن ميثم البحراني
284
شرح نهج البلاغة
عين التالي . وقوله : فجعل . إلى قوله : وعداً . توبيخ وتشنيع على من لزمه ذلك الاحتجاج وأنّه من القبيح المشهور المذكور أنّ يجعل الإنسان خوفه من عبد مثله نقدا حاضرا وخوفه من خالقه وعداً غير حاضر . وقوله : وكذلك من عظمت الدنيا . إلى آخره . إشارة إلى علَّة إيثار الناس للحياة الدنيا على ما عند اللَّه ممّا وعد به وانقطاعهم إليها وصيرورتهم عبيدا لها وذكر جزء العلَّة القريبة وهي عظمة الدنيا في أعينهم ، وتمام هذه العلَّة حقارة ما تصوّروه من الوعد الأُخرويّ بالنسبة إلى الدنيا ، وعلَّة هذه العلَّة ميلهم للذّات العاجلة كما هي ، وغيبوبة اللذّات الموعودة وتصوّرها الضعيف بحسب الوصف ، الَّذي غايته أن يوجب في أذهانهم مشابهة ما وعدوا به لما حضر لهم الآن . فلذلك كانت العاجلة أعظم في نفوسهم وأكبر وقعا في قلوبهم ، ولذلك آثروها وانقطعوا إليها فاستعبدتهم . وغاية هذا التوبيخ التنفير عن الدنيا والجذب عنها إلى الرغبة فيما وعد اللَّه ، ولذلك عقّب بالتنبيه على ترك الدنيا من الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وساير الأنبياء والمرسلين الَّذين هم القدوة للخلق وإعراضهم عنها ، وعلى كونهم محلّ الأسوة الكافية لهم في ذلك وهو كقوله تعالى « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » ( 1 ) الآية ، والدليل التامّ على ذمّها وعيبها وكثرة مساويها ومخازيها . وأشار بقوله : إذ قبضت عنه أطرافها . إلى مقدّمة من مقدّمات الدليل على حقارتها وخبثها وذلك إلى قوله : وخادمه يداه . وقبض أطرافها عنه كناية عن منعها عنه بالكلَّيّة لعدم استعداده لها وقبوله إيّاها ، وتوطية جوانبها لغيره كناية عن إعطائه إيّاها وتذليلها له كالملوك . واستعار لفظ الفطم لمنعه منها ، وكذلك لفظ الرضاع لها ملاحظة لمشابهتها للأُمّ وله بالابن ، ووجه المشابهة ظاهر . والَّذي ذكره عليه السّلام : واللَّه ما سأله إلَّا خبزا . هو تفسير الآية كما نقله المفسّرون أيضا ، وصفاق بطنه : هو
--> ( 1 ) 33 - 21 .