ابن ميثم البحراني

264

شرح نهج البلاغة

بها أفعال خيريّة أو شرّيّة . وإذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الكيفيّات والهيئات لم يصدق هذا اللفظ عليه حقيقة لكن لمّا كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الأخلاق الفاضلة أشبه ما نعتبره له تعالى من صفات الكمال ونعوت الجلال الَّتي ينسب إليها ما يصدر عنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والأفعال الخيريّة الَّتي بها نظام العالم وبقاؤه كحكمته وقدرته وجوده وعنايته وعدم حاجته ما يتعارف من الأخلاق الفاضلة الَّتي تصدر عنها الأفعال الخيريّة والشرّيّة فاستعير لها لفظ الأخلاق ، وأطلق عليه . فأمّا كونهما لا يقرّبان الأجل ولا ينقصان الرزق فلأنّ كثيرا من ضعفاء الاعتبار العقليّ يمنعهم عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر توهّم أحد الأمرين ، وخصوصا ترك نهى الملوك من المنكرات . ثمّ شرع في الحثّ على لزوم كتاب اللَّه بأوصاف نبّه بها على فضيلته : الأوّل : كونه الحبل المتين ، ولفظ الحبل مستعار له ، ووجه المشابهة كونه سببا لنجاة المتمسّك به من الهوى في دركات الجحيم كالحبل في نجاة المتمسّك به ، ورشّح بذكر المتانة . الثاني : كونه نورا مبينا ، ولفظ النور أيضا استعارة له باعتبار الاهتداء به إلى المقاصد الحقيقيّة في سلوك سبيل اللَّه . الثالث : كونه الشفاء النافع : أي من ألم الجهل ، وكذلك الريّ الناقع : أي للعطشان من ماء الحياة الأبديّة كالعلوم والكمالات الباقية . الرابع : كونه عصمة للمتمسّك ونجاة للمتعلَّق ، ومعناه كالَّذي سبق في كونه حبلا . الخامس : لا يعوجّ فيقام . إذ ليس هو كسائر الآلات المحسوسة . السادس : ولا يزيع فيستعتب : أي يطلب منه العتبى والرجوع إلى الحقّ كما يفعله سائر الحكام من الناس . السابع : كونه ولا تخلقه كثرة الردّ : أي الترديد في الألسنة وولوج الأسماع وهو من خصائص القرآن الكريم فإنّ كلّ كلام نثر أو نظم إذا كثرت تلاوته محّته