ابن ميثم البحراني

246

شرح نهج البلاغة

أي أعقل ما أضربه لك من المثل ، واحمل عليه ما يشبهه فإنّ المثل دليل على شبهه وذلك المثل قوله : إنّ البهائم . إلى قوله : والفساد فيها . فقوله : إنّ البهائم همّها بطونها . إشارة إلى أنّ الإنسان المتّبع لشهوته بمنزلة البهيمة في اتّباع قوّته الشهويّة ، والاهتمام بالطعام والشراب دون المطالب الحقيقيّة . وقوله : إنّ السباع همّها العدوان على غيرها . إشارة إلى أنّ متّبع القوّة الغضبيّة بمنزلة السبع في اتّباعها ومحبّة الانتقام والغلبة على الغير . وقوله : وإنّ النساء همّهنّ زينة الحياة الدنيا والفساد فيها . إشارة إلى أنّ النساء متّبعة للقوّتين : الشهويّة ولها كان همّهنّ زينة الحياة الدنيا ، والغضبيّة ولها كان همّهنّ الفساد في الدنيا فالتابع لشهوته وغضبه لاحق بالنساء في ذلك . ثمّ لمّا حصر متابع الشرّ في قوّتي الشهوة والغضب ذكر المؤمنين بصفات ثلاث كلّ منها يستلزم كسر تينك القوّتين ، وهي الاستكانة للَّه و . الخضوع له . ثمّ الاشفاق من غضبه . ثمّ الخوف من عقابه ، وظاهر كون كلّ واحد من هذه الصفات جاذبا لهم عن طرف الافراط في القوّتين والخروج عن حدّ العدل فيهما ، وغاية هذا المثل التنفير عن طاعة الشهوة والغضب بالتنبيه على أنّ الخارج فيهما عن حدّ العدل إلى ما لا ينبغي إمّا أن يشبه البهيمة أو السبع أو المرأة ، وكلّ منها ممّا يرغب العاقل عنه ، وهو الَّذي أمر بعقليّته فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من الإشارة اللطيفة الَّتي يشهد عليه عليه السّلام بمشاهدة الحقّ كما هو ، وإذا اعتبرت ذلك وأمثاله من الحكم البالغة ونظرت إلى أنّه عليه السّلام لم يرجع فيه إلى مطالعة كتاب أو استفادة بحث علمت أنّه فيض ربّانيّ بواسطة إعداد سيّد البشر والأُستاذ المرشد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال الشارح الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد - رحمه اللَّه - إنّما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل لأنّهم حاولوا أن يشفوا غيظهم بإهلاكه وإهلاك غيره من المسلمين وعيّروه عليه السّلام بأمرهم فعلوه ، وهو التأليب على عثمان وحصره واستنجحوا