ابن ميثم البحراني

243

شرح نهج البلاغة

الرابع : بمخالفة من خالف ذلك ونظر في غيره ممّا عنه بدّ من أحوال الدنيا وزينتها ، وأن يدع ذلك المخالف ، وما رضى لنفسه من التعوّض بالأمور الفانية عن الأمور الباقية ، وما يستلزم ذلك من الشقاوة الأُخرويّة . الخامس : أن يضع الفخر ويحطَّ الكبر ، وقد سبق بيان ما في الكبر من الآفات ، والفخر مستلزم للكبر . إذ كلّ مفتخر متكبّر أو متلازمان . السادس : أن يذكر قبره لأنّ في ذكره عبرة تامّة . وقوله : فإنّ عليه ممرّك . تنبيه له على وجوب الذكر له فإنّ السالك لطريق لا بدّ من سلوكها إذا كان فيها منزل موحش مظلم وجب الاستعداد له بحمل الضوء للاستنارة فيه ، والإنسان في سلوكه لطريق الآخرة لا بدّ له من المرور بالقبر وأحكام الشارع أكثرية ، ثمّ نبّهه بالمثلين المشهورين : كما تدين تدان على وجوب حسن المعاملة مع اللَّه سبحانه . إذ كان حسن جزائه بقدر حسن معاملة العبد ، وقبحه بقبحها ، وكذلك قوله : كما تزرع تحصد ، ولفظ الزرع مستعار لما يفعله الإنسان فيكسب نفسه ملكة خيريّة أو شرّيّة ، وكذلك لفظ الحصد للحصول على ما تثمره تلك الآثار ، وتستلزمه من ثواب أو عقاب ، ووجه الاستعارتين ظاهر . وقوله : وكما قدّمت اليوم تقدم عليه غدا . ظاهر فإنّ الهيئات النفسانيّة الَّتي هي ثمرات الأفعال المستلزمة للسعادة أو الشقاوة وإن كانت مستصحبة للنفس مدّة بقائها في الدنيا أيضا إلَّا أنّها لا تنكشف لها إلَّا بعد المفارقة كما سبق بيانه فتكون حينئذ حالة الانكشاف بمنزلة من قدم على أمر لم يكن معه ، وإذا كان كذلك فينبغي للإنسان أن يمهّد لقدمه : أي يوطئ موضع قدمه في الآخرة بطيب الأعمال ، ويقدّم صالحها ليوم قيامته . ثمّ عاد إلى تحذيره من حيث هو مستمع للموعظة ، وإلى أمره بالجدّ في العمل لما بعد الموت واليقظة من الغفلة ، ونبّهه باقتباس الآية على أنّ الواعظ له خبير بأحوال طريق الآخرة وأهوالها ولا يخبر بحقائق الأمور كالعارف بها . ثمّ عاد إلى التحذير من