ابن ميثم البحراني

237

شرح نهج البلاغة

ممّن يدخل الجنّة بمنكر لهم هذا خلف ، وكذلك لا يجوز أن يكون أخصّ وإلَّا لصدق على بعض من يتولَّاهم ويعترف بصدق إمامتهم أنّه يدخل النار لكن ذلك باطل لقول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يحشر المرء مع من أحبّ ، ولقوله : لو أحبّ رجل حجرا لحشر معه دلّ الخبر على أنّ محبّة الإنسان لغيره مستلزمة لحشره معه ، وقد ثبت أنّهم عليهم السّلام إلى الجنّة يحشرون فكذلك من أحبّهم واعترف بحقيّة إمامتهم ، ودخول الجنّة مع دخول النار ممّا لا يجتمعان فثبت أنّه لا واحد ممّن يحبّهم ويعترف بحقّهم يدخل النار فقد ظهر إذن صدق هذه الكلَّيّة أيضا ، ووجه الحصر فيها . ثمّ أخذ في إظهار منّة اللَّه تعالى عليهم بالقرآن الكريم وتخصيصهم به من سائر الكتب واستخلاصهم له ، وإعدادهم لقبوله من سائر الأمم . ثمّ نبّه على بعض أسباب إكرامه تعالى لهم به أمّا من جهة اسمه فلأنّه مشتقّ من السلامة بالدخول في الطاعة ، وأمّا من معناه فمن وجوه : أحدها : أنّه مجموع كرامة من اللَّه لخلقه لأنّ مدار جميع آياته على هداية الخلق إلى سبيل اللَّه القائدة إلى جنّته . الثاني : أنّ اللَّه تعالى اصطفى منهجه ، وهو طريقته الواضحة المؤديّة للسالكين بأيسر سعي إلى رضوان اللَّه . الثالث : أنّه تعالى بيّن حججه ، وهي الأدلَّة والأمارات ، ومن للتمييز والتقسيم هنا تقسيم الحجج إلى ظاهر علم ، وأشار إلى ظواهر الشريعة وأحكامها الفقهيّة وأدلَّة تلك الأحكام ، وباطن حكم وأشار به إلى ما يشتمل عليه الكتاب العزيز من الحكمة الإلهيّة وأسرار التوحيد وعلم الأخلاق والسياسات وغيرها . الرابع : أنّه لا تفنى عزائمه [ غرائبه خ ] وأراد بالعزايم هنا آياته المحكمة وبراهينه العازمة : أي القاطعة ، وعدم فنائها إشارة إمّا إلى ثباتها واستقرارها وطول المدّة وتغيّر الأعصار ، وإمّا إلى كثرتها عند البحث والتفتيش عنها . الخامس : ولا تنقضى عجائبه ، وذلك أنّه كلَّما تأمله الإنسان استخرج منه بفكره لطائف معجبة من أنواع العلوم لم يكن عنده من قبل .