ابن ميثم البحراني

212

شرح نهج البلاغة

فنائها ، وبعفاء مخطَّها في الأرض عن فناء آثارها في الأبدان ، والضمير في متلفّقها يعود إلى الغمام ، وفي مخطَّها يعود إلى مهابّ الرياح . وقوله : فإنّما كنت جارا جاوركم بدني أيّاما . فيه تنبيه على أنّ نفسه القدسيّة كانت متّصلة بالملأ الأعلى ، ولم يكن لها ميل إلى البقاء في الدنيا ومجاورة أهلها فيها فكانت مجاورته لهم ببدنه فقط ، وأيضا فإنّ المجاورة من عوارض الجسميّة فيحتمل أن يكون ذلك تنبيها منه على وجود أمر آخر غير البدن وهو النفس ، وكنّى بالأيّام عن مدّة حياته الدنيا . وقوله : وستعقبون . أي توجدون في عاقبة أمركم منّى جثّة خالية لا روح بها ولا حراك قد أفقرت من تلك المعاني المعهودة لكم من العقل والنطق والقوّة فهي متبدّلة بالحراك السكون ، وبالنطق السكوت . ثمّ عاد إلى أمرهم بالاتّعاظ بذلك الهدوء وخفوت الأطراق وسكون الأطراف بالموت . وقوله : فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطيق البليغ . صاحب اللسن والفصاحة . كلام حقّ فإنّ الطباع أكثر انفعالا واعتبارا عن مشاهدة ما فيه العبرة من الوصف له بالقول المسموع ، ولو بأبلغ عبارة . ثمّ أخذ عليه السّلام في توديعهم . فقوله : وداعيكم . إنشاء لأخبر . وقوله : وداع امرء مرصد للتلاقي . أي معدّ ومهيّأ للقاء اللَّه . وقوله : غدا ترون أيّامي . إلى آخره . تذكير لهم بفضيلته وتنبيه عليها ليثبت متّبعوه على اتّباعه ، والغافلون عن فضله ومحلَّه بينهم إذا فارقهم وولَّى أمرهم الظالمون بعده فلا بدّ أن ينكشف لهم ما كان مغطَّى عن أعين بصائرهم من لزومه للقصد في سبيل اللَّه ، ويعرفون منزلته وفضله حين مشاهدة المنكرات ممّن يقوم مقامه خلفا في الناس . وإنّ وقائعه وحروبه