ابن ميثم البحراني
203
شرح نهج البلاغة
هو غاية عداوة الملوك خصوصا جبّار الجبابرة وملك الدنيا والآخرة ، وأراد بجواره القرب منه بالطاعة ، وبعداوته البعد عنه بالمعصية ومخالفة أوامره . ولا شكّ في كون الأوّل أمنا من أهوال الآخرة وفي كون الثاني في محلّ الخوف والخطر . وقوله : وإنّه لا ينبغي لمن عرف إلى آخره . إرشاد لهم إلى التواضع للَّه ولمن أرشد إلى طريقه ، ونهى عن التكبّر عليهم ، والنفار عن قبول الحقّ منهم . وخاطب من يعرف عظمة اللَّه لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه ونسبته لها إلى جلال اللَّه فهو أسرع انفعالا وأحقر في نفسه أن يتكبّر على اللَّه ، ونبّه على حسن التواضع له بذكر عظمته ورفعه للعالمين بعظمته . فإنّه لمّا كان هو العظيم المطلق وكلّ عظمة ورفعة لعظيم فمستفادة من جوده والقرب منه ، وكانت العادة جارية من الملوك في حقّ من يتواضع لهم ويوفّيهم حقّهم من الإجلال والإكرام وحسن الانقياد أن يرفعوه ويعظَّموه فبالحرّي أن يكون رفعة المتواضع للملك المطلق والعظيم المطلق لازمة عن التواضع له ، وكذلك العادة جارية منهم بسلامة من استسلم لهم عن معرفته باقتدارهم فبالحرّي أن يكون سلامة المستسلم للَّه عن العلم بغلبة قدرته واستيلاء سلطانه لازمة من استسلامه له . وإذ أدّبهم بالتواضع للَّه ولأوليائه ندبهم إلى قبول الحقّ منهم وعدم النفار منه الشبيه بنفار الصحيح من الأجرب ، والبارئ من السقيم ، ووجه الشبه هو شدّة النفار . ثمّ عاد إلى تنفيرهم عن أئمّة الضلال ، وذلك بتنبيههم على أنّهم ليسوا عارفين بالرشد والمعرفة الصحيحة ، ولا آخذين بميثاق الكتاب ، ولا متمسّكين به الأخذ والتمسّك التامّ ما لم يعرفوا أولئك الضالَّين . وإنّما شرط معرفتهم للرشد بمعرفتهم لتاركه لأنّ المعرفة التامّة للرشد بل لكلّ شيء تستدعى معرفة ما عليها من الشكوك والشبهات الَّتي هي سبب التشكيك فيها وترك العمل على وفقها ، ولمّا كان الرشد وهو الحقّ الَّذي هو عليه وتابعوه ، وكان التارك لذلك هم مخالفوه وخصومه في الأمر من أئمّة الضلال لا جرم كان من تمام معرفة الحقّ الَّذي في يده والرشد الَّذي يدعو إليه معرفة خصومة وأنّهم على شبهة إذا عرفها طالب الحقّ تمّت معرفته بطريق الرشد فسلكها ونفر عمّن نكب ،