ابن ميثم البحراني

195

شرح نهج البلاغة

أقول : اختلف الناقلون لهذا الكلام في الوقت الَّذي قاله لعمر فيه . فقيل : إنّه قاله في غزاة القادسيّة . وهو المنقول عن المدائني في كتاب الفتوح . وقيل : في غزاة نهاوند . وهو نقل محمّد بن جرير الطبريّ . فأمّا وقعة القادسيّة فكانت سنة أربع عشرة للهجرة استشار عمر المسلمين في خروجه فيها بنفسه فأشار عليه عليّ عليه السّلام بالرأي المسطور فأخذ عمر به ورجع عن عزم المسير بنفسه ، وأمّر سعد بن أبي وقّاص على المسلمين . ويروى في تلك الواقعة أنّ رستم أمير العسكر من قبل يزدجرد أقام بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسيّة إلى المدائن كلَّما تكلَّم رستم بكلمة أدّاها بعضهم إلى بعض حتّى يصل إلى سمع يزدجرد ، وقصص الواقعة مشهورة في التواريخ ، وأمّا وقعة نهاوند فإنّه لمّا أراد عمر أن يغزو العجم ، وجيوش كسرى قد اجتمعت بنهاوند استشار أصحابه فأشار عثمان عليه بأن يخرج بنفسه بعد أن يكتب إلى جميع المسلمين من أهل الشام واليمن والحرمين والكوفة والبصرة ويأمرهم بالخروج ، وأشار عليّ عليه السّلام بالرأي المذكور : وقال : أمّا بعد وإنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه . الفصل . فقال : عمر أجل هذا الرأي ، وقد كنت أُحبّ أن أتابع عليه فأشيروا عليّ برجل أولَّيه ذلك الثغر . فقالوا : أنت أفضل رأيا . فقال : أشيروا عليّ به واجعلوه عراقيّا . فقالوا : له أنت أعلم بأهل العراق وقد وفدوا عليك فرأيتهم وكلَّمتهم . فقال : أما واللَّه لأولينّ أمرهم رجلا يكون غدا لأوّل الأسنّة . قيل : ومن هو فقال : النعمان بن مقرن . قالوا : هولها . وكان نعمان يومئذ بالبصرة فكتب إليه عمر فولَّاه أمر الجيش . ولنرجع إلى المتن . فقوله : بحذافيره : أي بأسره . وقوله : إنّ هذا الأمر . إلى قوله : بالاجتماع : صدر الكلام أورده ليبتنى عليه الرأي فقرّر فيه أوّلا أنّ هذا الأمر : أي أمر الإسلام ليس نصره بكثرة ولا خذلانه بقلَّة ، ونبّه على صدق هذه الدعوى بأنّه دين اللَّه الَّذي أظهره وجنوده ، وهي جنده الَّذي أعدّه وأمدّه بالملائكة والناس حتّى بلغ هذا