ابن ميثم البحراني
192
شرح نهج البلاغة
الدنيا ، وبالشرق والغصص عمّا في كلّ منها من شوب الكدورات اللازمة لها طبعا من الأمراض والمخاوف وسائر المنغّصات لها . وقوله : لا تنالون نعمة إلَّا بفراق أخرى . فيه لطف : وهو إشارة إلى أنّ كلّ نوع من نعمة فإنّما يتجدّد شخص منها ويلتذّ به بعد مفارقة مثله كلذّة اللقمة مثلا فإنّها تستدعى فوت اللذّة بأختها السابقة ، وكذلك لذّة ملبوس شخصيّ أو مركوب شخصيّ ، وسائر ما يعدّ نعما دنيويّة ملتذّا بها فإنّها إنّما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها بل وأعمّ من ذلك فإنّ الإنسان لا يتهيّأ له الجمع بين الملاذّ الجسمانيّة في وقت واحد بل ولا اثنين منها فإنّه حال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا أو حال ما هو في لذّة الأكل لا يكون يلتذّ بمشروب ، وحال ما يكون جالسا على فراشه الوثير لا يكون راكبا المنزهة . ونحو ذلك . وبالجملة لا يكون مشغولا بنوع من الملاذّ الجسمانيّة إلَّا وهو تارك لغيره ، وما استلزم مفارقة نعمة أخرى لا يعدّ في الحقيقة نعمة ملتذّا بها ، وكذلك قوله : ولا يعمّر معمّر منكم . إلى قوله : أجله . لأنّ السرور بالبقاء إلى يوم معيّن لا يصل إليه إلَّا بعد انقضاء ما قبله من الأيّام المحسوسة من عمره . فإذا هدم من عمره يوما فيكون لذّته في الحقيقة ببقائه مستلزما لقربه من الموت وما استلزم القرب من الموت فلا لذّة فيه عند الاعتبار ، وكذلك قوله : ولا تجدّد له زيادة في أكله إلَّا بنفاد ما قبلها من رزقه : أي من رزقه المعلوم أنّه رزقه وهو ما وصل إلى جوفه مثلا فإنّ ما لم يصل جاز أن يكون رزقا لغيره . وقد علمت أنّ الإنسان لا يأكل لقمة حتّى يفنى ما قبلها فهو إذن لا يتجدّد له زيادة في أكله إلَّا بنفاد رزقه السابق ، وما استلزم نفاد الرزق لم يكن لذيذا في الحقيقة ، وروى : اكلة . ويحتمل أن يريد أنّه إذا تجدّدت له جهة رزق فتوجّه فيها طالبا له كان ذلك التوجّه مستلزما لانصرافه عمّا قبلها من الجهات وانقطاع رزقه من جهتها ، واللفظ مهمل يصدق ولو في بعض الناس فلا تجب الكلَّيّة ، وكذلك قوله : ولا يحيى له أثر إلَّا مات له أثر . وأراد بالأثر الذكر أو الفعل فإنّ ما كان يعرف به الانسان في وقت