ابن ميثم البحراني
158
شرح نهج البلاغة
الثاني : أنّ النفوس البشريّة لمّا لم يكن معارفها ضروريّة ولم يتمكَّن ما دامت في هذه الأبدان من الاطَّلاع على ما بعد الموت من سعادة أو شقاوة فبالحريّ أن لا تجد لها راحة تتصوّرها في الموت . قال : وذلك لا ينافي الخبر : ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللَّه : أمّا على الوجه الأوّل فلأنّ الراحة الحاصلة من الكمال الفائت بالموت لا تحصل له وإن حصل على راحة ما بحسب طاعته السابقة ، وأمّا على الثاني فلأنّ المؤمن لا يجد له ما دام في الدنيا راحة في الموت وذلك لا ينافي أن تحصل له الراحة عند لقاء اللَّه كما نقل أنّ الحسن عليه السّلام لمّا آن سفره إلى الآخرة بكى فقال له أخوه الحسين عليه السّلام : ما لي أراك تكاد تجزع مع يقينك بأنّك تقدم حيث تقدم على جدّك وأبيك . فقال : نعم يا أخي لا شكّ في ذلك إلَّا أنّني سالك مسلكا لا أسلكه من قبل . وأقول : إن كان مراده عليه السّلام بقوله : لا يجد في الموت راحة : أي في نفس الموت مع قطع النظر عن غيره من أحوال الآخرة فالحقّ قول من عمّم فقدان الراحة في حق الجميع . إذ الموت من حيث هو موت لا راحة فيه لأحد من الناس كافّة ، وإن كان مراده فقدان الراحة في الموت وما بعده فالحقّ التخصيص بأهل الشقاوة الدائمة . فإنّ شدّة محبّة الحياة ونقصانها متفاوتة بحسب تصوّر زيادة الراحة في الآخرة ونقصانها ، وذلك ظاهر عند اعتبار أهل الدنيا المقبلين عليها بالكلَّيّة ، وأهل الآخرة المقبلين عليها بالكلَّيّة ، ومن بينهم من طبقات السالكين . وقوله : وإنّما ذلك . أي الأمر الَّذي هو أحقّ بأن لا يملّ ولا يشبع منه بمنزلة الحكمة : أي ما كان بمنزلة الحكمة ، والحكمة في لسان الشريعة هي العلم النافع في الآخرة ، وقد يطلق على ما هو أعمّ من ذلك . ثمّ ذكر لها أوصافا : الأوّل : أنّها حياة للقلب الميّت ، وقد مرّ أنّ القلب في عرف العارفين هي النفس الإنسانيّة ، واستعار للحكمة لفظ الحياة ، ووجه المشابهة كون الحياة بها وجود القلب وبقائه كما أنّ الحكمة بها بقاء الإنسان وسعادته في الدارين ، وكذلك استعار لفظ الميّت للقلب الجاهل باعتبار أنّه غير مطَّلع على وجوه مصالحه ومفاسده