ابن ميثم البحراني

154

شرح نهج البلاغة

فأراد بكلماته أوامره وأحكام قدرته المعبّر عنها بقوله : كن ، وإطلاق الكلمات عليها استعارة وجهها نفوذ تلك الأحكام في المحكومات كنفوذ الأوامر القوليّة في المأمورات ، وأراد بإتيان الثمار دخولها طوعا في الوجود المعبّر عنه بقوله تعالى « فَيَكُونُ » . وباللَّه التوفيق والعصمة . منها : وكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ - نَاطِقٌ لَا يَعْيَا لِسَانُهُ - وبَيْتٌ لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ - وعِزٌّ لَا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ أقول : هذا الفصل كأنّه في معرض التوبيخ على ترك أوامر اللَّه ومخالفة أحكامه ويشبه أن يكون الواو للحال كأنّه يقول : تفعلون كذا وكتاب اللَّه بين أظهركم ناطق ، وكونه بين أظهرهم كناية عن وجوده بينهم مع أنّ من شأنه أن يستند إليه ، واستعار لفظ الناطق للكتاب باعتبار أن المكتوب يعبّر عن المقصود كما أنّ الناطق كذلك ، ولفظ اللسان وأنّه لا يعيا ترشيح للاستعارة كنّى بها عن بيان الكتاب على مرور الأوقات ، ويحتمل أن يريد باللسان نفسه عليه السّلام مجازا . إذ كان هو لسان الكتاب الَّذي لا يفتر ولا يقصر عن بيان مقاصده ، وكذلك استعار لفظ البيت باعتبار كونه حافظا لحافظيه والعاملين به كما يحفظ البيت أهله ، وأركانه : قواعده الكلَّيّة الَّتي يبنى عليها نظام العالم من الأوامر والنواهي والمواعظ والحكم ، وتلك القواعد لا تكاد تنهدم في وقت من الأوقات . إذ الحكم الكلَّيّة صالحة لجميع الأوقات ، وكونه عزّا مجاز إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه . إذ كان حفظه والعمل به مستلزما للعزّ الدائم الَّذي لا يعرض له ذلّ ، وأعوانه هم اللَّه وملائكته ورسله وأولياؤه . وأولئك أعوان لا خوف عليهم ولا انهزام لجمعيّتهم من أمر . وباللَّه التوفيق . منها : أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ - وتَنَازُعٍ مِنَ الأَلْسُنِ - فَقَفَّي بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ - فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ والْعَادِلِينَ بِهِ أقول : قفّى به : اتّبع به من قبله .